نقطة نيمو حيث يكون الفضاء أقرب من البشر على الأرض !


مدوّنة... 📚...

نقطة نيمو..Nemo Point South Pacific..

حيث يكون الفضاء أقرب من البشر على الأرض !....

ثمة بقعة في المحيط الهادئ تبعد أكثر من غيرها عن اليابسة،... وهي على نحو ما ذات طابع غريب وخاص....

أين يمكن للمرء أن يذهب إذا ما قرر الفرار من كل شيء؟؟؟؟. اللافت أن الإجابة عن هذا السؤال ليست باليسيرة؛..

فإذا ما دفعتك توترات الحياة اليومية وضغوطها ... للبحث عن أكثر بقعة نائية في العالم للهرب إليها،... قد تفاجئ بأن تعلم أن البدائل المتاحة لك في هذا الصدد محدودة بحق...

لكن إذا كان بوسعك حفظ توازنك وسط الأمواج العاتية،..

فلا يوجد ما يضارع تلك البقعة الواقعة وسط المحيط الهادئ،.. والتي تشكل أبعد مكان عن اليابسة في العالم،.. ويُطلق عليها اسم "قطب المحيط المتعذر الوصول إليه"..

وتقع "نقطة نيمو" في قلب مثلث متساوي الأضلاع تماما،... تشكله سواحل ثلاث جزر نائية،.. تبعد عن كل منها أكثر من ألف ميل (نحو 1600 كيلومتر)..

وتمثل جزيرة دوسي (وهي إحدى جزر بيتكيرن)...

الضلع الشمالي للمثلث،..

بينما تشكل جزيرة موتو نوي صغيرة المساحة..

(وهي جزء من السلسلة المؤلفة لجزيرة عيد الفصح)...

الضلع الشمالي الشرقي،..

أما الضلع الجنوبي.. فيتمثل في جزيرة "ماهِر" (الواقعة قبالة سواحل القارة القطبية الجنوبية)...

وتبدو "نقطة نيمو" بقعة غريبة ومميزة بشكلٍ ما.. فلطالما تجادل الخبراء حول تلك الأحجية الجغرافية المتعلقة بإيجاد النقطة التي تتوسط المحيط،..

لكن الأمر لم يُحل بشكل كامل سوى باستخدام التقنيات الحديثة،.. لتُكتشف منطقة "قطب المحيط المتعذر الوصول إليه".. رسمياً في عام 1992 على يد مهندس مساحة يُدعى فرفاي لوكاتيلا...

وقد تم حل اللغز،.. دون إطلاق بعثة بحرية تقصد هذه المنطقة.. فقد عكف لوكاتيلا على إجراء حساباته لتحديد موقع المنطقة،.. باستخدام برنامج كمبيوتر متخصص،.. لا يكتفي بمجرد تحديد الموقع على خريطة مسطحة ذات بعدٍ واحد للأرض،.. وإنما يُظهره على ما يُعرف بالشكل "الإهليجي" للكوكب،.. لكي يتسنى تحديد إحداثياته بأقصى قدرٍ ممكن من الدقة..

وتفيد المعطيات بأنه من غير المرجح أن يكتشف الباحثون.. أن هذه النقطة تقع في مكان آخر يبعد كثيراً عن ذاك المُحدد حالياً،.. على الأقل في المستقبل القريب....

ويقول لوكاتيلا:...

"موقع هذه النقاط الثلاث التي تتساوى الأضلاع الرابطة فيما بينها فريدٌ بحق.. ولا أعتقد أنه يمكن تصور وجود نقاطٍ أخرى على سطح الأرض،.. بوسعها الحلول محل أي نقطةٍ منها"..

ورغم أنه من الممكن أن يتغير.. سواء بفعل تآكل السواحل أو بفضل إجراء قياسات أكثر دقة،.. فإن موقعها الجديد المفترض في هذه الحالة لن يبعد – كما يقول لوكاتيلا -.. سوى بضعة أمتار عن الموقع المعروف لها حالياً...

ومن فرط بعد هذه النقطة للغاية عن أي يابسة،... يشكل رواد الفضاء في الغالب أقرب تجمع بشري لها.... فالمحطة الفضائية الدولية تدور حول الأرض على ارتفاع لا يزيد على 258 ميلاً (416 كيلومتراً)،..

بينما يقع أقرب موقع مأهولٍ.. على البر لها على بعد يفوق 1670 ميلاً (قرابة 2700 كيلومتر)...

ولا عجب في ذلك،.. فكامل المنطقة المحيطة بـ"نقطة نيمو".. معروفة جيداً للعديد من الوكالات الفضائية...

وتطلق هذه الوكالات على تلك البقعة رسمياً اسم "المنطقة غير المأهولة في جنوب المحيط الهادئ".... ولطالما استخدمتها وكالات الفضاء الروسية والأوروبية واليابانية – بشكل خاص – كـ"مكبٍ للنفايات".. الخاصة بها،.. نظراً لأنها النقطة الأقل سكاناً على سطح الأرض،.. والخالية أكثر من غيرها من طرق الملاحة البحرية....

ويُعتقد أن أكثر من مئة من المركبات الفضائية التي خرجت من الخدمة،.. تقبع حالياً في "مقبرة المركبات الفضائية" تلك،.. بدءاً من أقمارٍ صناعية وسفن شحن فضائية.. وصولاً إلى المحطة الفضائية "مير" التي انتهت مدة خدمتها..

ولكن مثل هذه المركبات والأقمار لا ترقد كاملة الهيئة في المحيط،.. لتمثل بذلك نصباً تذكارية تُخلّد تاريخ رحلات الفضاء،... بل إن بقاياها تتناثر في القاع في صورة شظايا،.. كما تقول الخبيرة في تاريخ الرحلات الفضائية أليس غورمان،...

من جامعة فليندرز بمدينة أديلايد الاسترالية،... والتي توضح بالقول:... "لا تستطيع المركبة الفضائية تحمل إعادة الدخول للغلاف الجوي" للأرض دون أن تتفتت....

وتستطرد قائلةً:... "معظم هذه المركبات تحترق من فرط الارتفاع الرهيب في درجة الحرارة... غالبية المكونات التي تنجو من هذا المصير تتمثل عادةً في خزانات الوقود ومركبات الضغط،... وهي جزءٌ من منظومة الوقود،... إذ أنها تُصنّع عامةً من سبائك التيتانيوم والفولاذ المقاوم للصدأ،... وغالباً ما تُغلف بألياف الكربون المجدولة،... التي تقاوم درجات الحرارة المرتفعة"....

أما الشظايا الأصغر فتحترق في الغلاف الجوي،.. دون أن تُخلّف سوى عرضٍ مبهرٍ للأضواء..

وتقول غورمان إنه يُعتقد أن الأمواج قد جرفت الأجزاء الأكبر حجماً من "مير" –.. تلك المحطة التي كان وزنها يصل إلى 143 طناً – على سواحل فيجي،.. بينما غرق باقي الحطام إلى أعماق المحيط...

وتضيف الباحثة قائلةً.. إن هذا الحطام "مثله مثل حطام السفن،.. يشكل موائل يمكن أن تستوطنها أي كائنات .. تعيش على هذا العمق .. وهو ما لا ينبغي أن يشكل خطراً على الحياة المائية".. إلا في حالة وجود بقايا وقود قابلة للتسرب إلى المياه المحيطة....

وتتسم المياه الواقعة وسط "دوامة جنوب المحيط الهادئ".. بالاستقرار،.. فدرجة حرارة المياه في "نقطة نيمو" تبلغ 5.8 درجات مئوية (42 درجة فهرنهايت)،.. وفقا لبياناتٍ مستقاة من الأقمار الاصطناعية التابعة للإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء في الولايات المتحدة (ناسا)...

ويحول التيار الهوائي دائم الدوران في هذه المنطقة دون أن تصل إلى "نقطة نيمو" مياهٌ أخرى أكثر برودة.. وثراءً بالمواد الغذائية...

كما أن العزلة الشديدة لهذه البقعة عن المناطق الآهلة بالسكان،.. تجعل الرياح التي تهب عليها تعاني من الفقر البالغ فيما تحمله من مواد عضوية...

لذلك لا تتوافر هناك مواد تكفي لأن يتغذى عليها أي مخلوقٍ كان،.. بل إن الحياة تنعدم في قاع المحيط تقريباً،...

نظراً لأنه لا ينعم بأي "ثلوج بحرية"،... وهو مصطلح يشير إلى المواد التي تتساقط من أعلى على قيعان المحيطات...

ويصف دونَت هذه المنطقة بأنها "الأقل من حيث النشاط البيولوجي في عالم المحيطات".. رغم ذلك،..

هناك بضع أماكن استثنائية توجد فيها كائنات فريدة من نوعها،.. قادرة على مواجهة الظروف الصعبة الموجودة في هذه البقعة...

فـ"نقطة نيمو" تقع قرب الحد الجنوبي لما يُعرف بـ"أعراف شرق المحيط الهادئ"،.. وهو خط نشاط بركاني يقع تحت سطح البحر ويمتد إلى خليج كاليفورنيا....

وتشكل حداً ما بين الصفيحة التكتونية للمحيط الهادئ ونظيرتها المُسماة بصفيحة نازكا،.. اللتين تبتعدان عن بعضها البعض تدريجياً...

وتسيل الحمم البركانية الذائبة،. في الفجوة بين الصفيحتين،.. مما يُحدِثْ فتحاتٍ حرارية مائية،.. ينبثق منها الماء الساخن والمعادن..

يخلق ذلك بيئة شديدة القسوة،.. ولكنه لا يمنع من أن تتمكن البكتريا من الحياة فيها والازدهار،.. إذ تكتسب الطاقة اللازمة لها من المواد الكيمياوية التي تطلقها الانفجارات البركانية....

وتفيد البكتريا بدورها كائناتٍ أخرى أكبر وتمكنها من البقاء على قيد الحياة..

من بين هذه المخلوقات "سرطان البحر الياتي"،..

الذي شوهد للمرة الأولى عام 2005،.. وأُطلق عليه هذا الاسم بسبب مظهره المُشْعِر،.. الذي يُذكر بـ"الياتي".. وهو اسم لمخلوقٍ هائل الحجم،... يُعتقد أنه يعيش في أعالي جبال الهيملايا..

BBC News

إعداد كهرمانة...


مواضيع سابقة