بدايات الصراع بين الإنسان.. والشيطان


مدوّنة.... 📚..

**'بدايات الصراع بين الإنسان.. والشيطان...

بدأَت قصَّة الصِّراع بين الإنسان والشيطان في الجنة،.. وتستمرُّ في الأرض إلى يوم القيامة،.. بدأَت مع خلق أول إنسان،.. واستمرَّت في ذريَّته من بعده،.. فما سرُّ هذا الصراع؟؟؟؟

وما هي بذوره وجذوره؟؟؟؟ وكيف نفهم أبعاده؟؟؟؟؟

لقد صوَّر القرآن الكريم بداية هذا الصراع بأبلغ عِبارة؛.. إذ أظهر الشيطان ممثلًا للباطل بكلِّ أوصافه وخصائصه،.. وأظهر آدم عليه السلام ممثلًا للحقِّ بكلِّ أوصافه وخصائصه،.. والمدقق في العبارة القرآنيَّة.. يجد أن الصِّراعات التي توالت بين الحقِّ والباطل فيما بعد.. ما هي إلَّا صدًى وانعكاس لهذا الصراع الأول.. بكلِّ أبعاده وملامحه،... فقد بذر إبليس عليه اللعنة بذرة التكبُّر والاستعلاء والغرور واتِّباع الهوى،... التي هي أبعاد الصِّراع بين الحق والباطل،.. وسنَّ آدم عليه السلام طريقَ الاستقامة والثَّبات على الحق والأوبة بعد السقوط....

إنَّ قصة الصِّراع الأولى تمثِّل لنا نموذجين:..

نموذج الباطل،.. ونموذج الحق،.. ولنقف الآن على أبعاد هذا الصراع...

قبل أن يخلق الله سبحانه آدمَ عليه السلام قال لملائكته:... ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]؛..

فهو سبحانه خلَق آدم ليكون في الأرض لا في السماء...

وعندما قالت الملائكة:

﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: 30]،..

لم ينفِ سبحانه عن خليفة الأرض الفسادَ وسفك الدِّماء،.. وقال سبحانه:

﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾..

[البقرة: 30]؛..

فالإنسان قبل أن يُخلق قدَّر الله أن تكون حركته على الأرض،.. ولأنَّ هذه الحركة لحِكمة،..

ومن وراء هذه الحكمة هدَف؛.. أقام الله الحجَّةَ على هذه الحركة،... فإذا اقترف الإنسان المعاصي وسَفك الدماء،.. كانت الحجَّة شاهدًا عليه...

ولكن ما هي هذه الحجَّة التي جعلها الله شاهدًا على الإنسان؟؟؟؟

إنَّها الفِطرة؛.. ذلك أنَّ حركة الإنسان في هذه الحياة لا يَنبغي أن تخرج عن دائرة العبادة لله سبحانه وتعالى،..

قال تعالى:.. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾...

[الذاريات: 56، 57]،..

فالمراد بخلقهم للعِبادة خلقُهم على وَجهٍ صالح لأن يَعبدوا اللهَ؛.. بجعلهم ذوي اختيار وعَقْل واستطاعة،... والغرض من خلقهم تعريضهم للثواب؛.. وذلك لا يحصل إلَّا بأداء العبادات..

ولما كان الإنسان قد خُلق من أجل العبادة،... وعلى طريق هذه العبادة توجد دوائر للإفساد وسفك الدِّماء،.. هدفها عرقلة هذه العبادة -.. فإنَّه تعالى وضع أصولَ هذه العبادة في حصن الفِطرة الحصين؛.. ليَعبُر الإنسان بفطرته السليمة تلك العقبات،.. ويصِل بعباداته إلى حيث ينال الثواب؛....

فالفطرة شعاع يَهدي صاحبَه إلى طريق النجاة،.. والفطرة حجَّة بذاتها على الإنسان،.. تنطق عليه بالحقِّ يوم يقف أمام الله تعالى يوم القيامة ويقول له:

﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. [الإسراء: 14].

ومخزون الفطرة - الحجَّة بذاته -.. جاء ذِكره في أكثر من موضع من كتاب الله؛...

منه قوله تعالى:

﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾..

[الأعراف: 172، 173]؛..

(أي: اذكر للناس موطنًا قبل الدنيا أخَذ فيه ربُّك

﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾،..

فما من أحد منهم إلَّا استقلَّ من غيره،.. وتميَّز منه،..

فاجتمعوا هناك جميعًا وهم فرادى،.. فأراهم ذواتهم المتعلقة بربهم،﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، فلم يحتجِبوا عنه،..

وعاينوا أنَّه ربهم؛.. كما أن كل شيء بفِطرته يجد ربَّه من نفسه من غير أن يحتجِب عنه..

﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾؛..

وهو خطاب حقيقي لهم لا بيان حال،.. وتكليمٌ إلهي لهم؛..

فإنَّهم يفهمون ممَّا يشاهدون أنَّ الله سبحانه يريد به منهم الاعتراف وإعطاء الموثق،.. وقوله:.

﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾؛

الخطاب للمخاطَبين بقوله:

﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُم﴾،..

القائلين: ﴿بَلَى شَهِدْنَا﴾،...

فهم هناك يعاينون الإشهادَ والتكليم من الله،..

والتكلُّم بالاعتراف من أنفسهم.. وإن كانوا في نَشأة الدنيا على غفلة ممَّا عدا المعرفة بالاستدلال،...

ثمَّ إذا كان يوم البعث وانطوى بساط الدنيا.. وانمحَت هذه الشواغل والحجُب،..

عادوا إلى مشاهدتهم ومعاينتهم، وذكروا ما جرى بينهم وبين ربهم)

فهذا الميثاق الذي أخذه الله سبحانه وتعالى من بني آدم.. جميعًا هو مخزون الفِطرة،..

وهو حجَّة بذاته على الإنسان في كلِّ حركة له على الأرض،.. وهو بعد هذا وذاك الكشاف الذي يَهدي إلى الطَّريق المستقيم،.. ويجنِّب صاحبه الانزِلاق إلى طريق الإفساد وسفكِ الدِّماء،..

الذي لم ينفِ الله سبحانه وجودَه عن الإنسان عندما قالت الملائكة:

﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾

[البقرة: 30]...

إذًا،.... بعد هذه التقدمة يمكن لنا أن نَفهم بذورَ الانحرافات الكبرى في قصَّة الصراع الأولى بين الإنسان والشيطان...

لم تظهر بذور الإفساد وسفك الدِّماء.. الذي ذكرَته الملائكة عندما خاطبَهم الله بأنه جاعِل في الأرض خليفة،.. إلَّا عندما أمَر سبحانه الملائكة بالسجود لآدم؛.. ففي هذا الوقت خطَّ إبليس خطَّ الانحراف الذي تنمو عليه بذور الإفساد التي وضعها..

قال تعالى:

﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾...

[ص: 71 - 76][6].

لقد ذكرَت الآية أنَّ مبدأ خلق الإنسان هو الطِّين،... وفي سورة الروم التراب؛..

قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾...

[الروم: 20]،..

وفي سورة الحِجر صلصال من حَمأ مسنون؛..

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾..

[الحجر: 26]،..

وفي سورة الرحمن صلصال كالفخار؛ قال تعالى:..

﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾..

[الرحمن: 14]،..

ولا ضير؛... فإنَّها أحوال مختلفة لمادَّته الأصلية التي منها خُلق،.. وقد أشير في كلِّ موضع إلى واحدة منها...

ثمَّ جاء الأمر بالسجود لآدم...

إذا سوَّاه؛.. بتركيب أعضائه بعضها على بعض،.. وتتميمِها صورة إنسان تام،... ونفخ فيه الروح...

وسجد الملائكة لأمر الله،.. ولم يذكر أحد منهم أي علاقة بين الطين والنور،.. فعندما أُمروا بالسجود سجدوا،... ولم يشذ في هذا المشهد المهيب سوى إبليس قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾،..

لقد علَّل عدم سجوده.. بما يدَّعيه من شرف ذاته،.. وأنه لكونه خلَقه من نار خيرٌ من آدَم المخلوق من طين،.. وكأنه بهذا التعليل يَزعم أنَّه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول؛.. يعني - لعَنه الله -: وأنا خير منه،.. فكيف تأمرني بالسجود له؟؟؟؟

ثم بيَّن وجهَ هذه الخيريَّة بأنه خُلق من نار،.. والنار أشرَف من الطِّين الذي خُلق منه آدم،.. فنظر اللَّعين إلى أصل العنصر الذي خُلق منه.. ولم ينظر إلى التشريف العظيم الذي نالَه آدم؛..

وهو أنَّ الله تعالى خلَقه بيَده ونفَخ فيه من روحه،..

وقاس قياسًا فاسدًا في مقابلة نصِّ قوله تعالى للملائكة:

﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾،..

كما أنَّه لم ينظر - لعنه الله - لأمرِ مَن أمَره بالسجود؛...

وهو الله جل جلاله،.. ثمَّ إن إبليس حتى في دعواه أنَّ النار أشرف من الطين ادِّعاؤه غير صحيح؛.. فإنَّ الطين من شأنه الرَّزانة والحلم والأناة والتثبُّت،.. وهو محلُّ النبات والنمو والزيادة،.. والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة..

شبكة الالوكة..

اعداد كهرمانة...

مواضيع سابقة