الادِّعاء الإبليسي


قال تعالى:..

﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾..

[ص: 71 - 76][6]....

وهذا الادِّعاء الإبليسي قائم على فِريتينِ... قاعدتهما التوهُّم الباطل،.. ودافعهما الكِبر.. وحب الاستعلاء... ولو بغير حقٍّ:..

الفرية الأولى:...

أنَّ مَن كان مخلوقًا من عنصر أو عناصر أشرف،... كان هو أشرف دومًا،.. ولو ظهرت منه بعد خلقه قبائح ومنكرات وأشياء خسيسة،... لم تظهر ممن كان مخلوقًا من عناصر أقل قيمة من عناصره.. التي خُلق هو منها،..

ولو ظهرت منه بعد خلقه فضائل ومزايا ومحاسِن عظيمة... لم يأتِ بمثلها ذو العنصر الأشرف،..

وهذه الفرية هي أساس الاستعلاء والاستكبار بالأعراق والأصول،... القائم على ادِّعاء التفاضل العِرقي الذي يَسري إلى الفروع وفروع الفروع،..

ولو فسدَت ونجم عنها ضر كبير وشرٌّ مستطير...

الفرية الثانية:...

أنَّ عنصر النار أشرف من عنصر الطِّين؛... وهذا ادِّعاء توهُّمي باطل؛.. فالنار ذات نَفع بحرارتها؛.. لإنضاجها الأشياء،.. واستخدامها في منافع كثيرة،.. وذات ضرر عظيم وخطر جسيم حينما تَحرق وتُتلِف وتهلِك،.. والطين ذو نفع عظيم جدًّا حينما يكون عنصرًا لإنبات الزروع والثمار وسائر نباتات الأرض.. النَّافعات للأحياء في غذائهم...

فتفضيل عنصر النَّار على عنصر الطين تفضيل توهُّمي باطل.. دافعه النزعة الاستكبارية المنتنة التي نفخَت في صدر إبليس فجعلَته يعصي ربه...

وإبليس بمقولته هذه يكون أوَّل من بذَر بذرة الاستعلاء والتحقير؛... ذلك أنه عبر التاريخ ظهر صنف من الناس وسوَس لهم الشيطان،.. وألقى في روعهم أنَّهم أرقى من البشر،... وتجري في عروقهم دماء الآلهة،... فكانوا أتباعه،.. وكان كبيرَهم في هذا التحقير والاستعلاء...

ووفقًا لهذا الفقه الشيطاني ادَّعى هذا الصنف من البشر الألوهيَّةَ،.. وفي عهودهم اندرج الإنسان إلى مستوى أقل من مستوى البهيمة؛.. فإبليس بهذه المقولة ذلَّ الإنسان على يدي الإنسان،.. من منطلق حِقده وخصومته لآدم وأبنائه،.. ولم يقذف الشيطان بفِقه:..

﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾..

[الأعراف: 12]..

على الجبابرة الذين ادَّعوا الألوهيَّة على امتداد التاريخ فقط،... وإنما قذف بفقه

﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: 12] على الخاصِّ والعام في السَّاحة الإنسانية؛.. لوقف تقدُّم دين الفطرة،.. فما من نبيٍّ أو رسول بعثه الله منذ ذرأ الله آدم وذريته،... إلَّا رُفعَت في وجهه لافتة تحقير الإنسان التي انبثقت من فقه

﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: 12]، الذي يحمل بين طيَّاته الخصومة لبني الإنسان...

لقد واجه الخاص والعامُّ رسلَ الله عليهم السلام بقولٍ واحد على امتداد الرسالات،..

فقالوا: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾

[يس: 15]، وقالوا:

﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾.. [إبراهيم: 10]،..

وقالوا:﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾[المؤمنون: 24]...

لقد قام إبليس بتوظيف خصومته للإنسان؛... بأن بثَّ ثقافةً من شأنها أن تَمنع السجود لله،.. وإذا كان هو أصلَ هذه الثَّقافة يوم أن رفَض السجود،.. فإنَّ هذه الثقافة حمَلها في الدنيا الإنسان ضد الإنسان بعد أن دقَّ الشيطان.. وتدَها في الكيان الإنساني،... وفقهُ التحقير هذا باقٍ ما بقي الشيطان؛..

فالشيطان يَطرحه على قوم،.. وعند ذهاب السلف يلقيه الشيطان على الخلَف،.. وهكذا تتَّسع الحلقات ليكون التحقير مألوفًا على امتداد القافلة البشريَّة،.. وهذا ما نلحظه اليوم في واقعنا،.. وما نعاني منه نحن أمَّة الإسلام.. ؛ تلك هي خطَّة الشيطان في فِقه التحقير الذي يَرفض الهدى ليفتح أبواب النار....

ثمَّ يظهر للمتدبِّر الفطِن أنَّ إبليس بمقولته هذه ورَفضه للسجود لآدم.. هو في نفس الوقت رفض للخضوع للإنسان.. والعمل في سبيل سعادته وإعانته على كمال المطلوب،.. على خلاف ما ظهر من الملائكة؛.. فهو بإبائه عن السجدة خرج من جموع الملائكة؛ كما يفيده قوله تعالى:

﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾.. [الحجر: 32]،..

وأظهر الخصومة لنوع الإنسان والبراءة منهم ما حيوا وعاشوا،.. وإبليس بمخالفته أمرَ الله أصبَح من المرجومين والملعونين والصَّاغرين،.. وكأنَّ هذه الصفات تُعطي انطباعًا أن كلَّ من يخالف أمرَ الله سبحانه وتعالى،..

يتلبَّس بهذا اللبوس،... ويتَّصف بهذا الوصف؛.. ذلك أن الذي يتكبَّر على الله يجلببه الله بجلباب الذلِّ والصَّغار؛.. فمَن تواضع لله رفعه، ومن تكبَّر على الله وضعه...

وبعد هذا الطَّرد واللَّعن،.. طلب الإنظار والإمهالَ إلى يوم يُبعثون، قال تعالى:

﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾..

[الأعراف: 14، 15]؛...

شبكة الالوكة..

إعداد كهرمانة....

مواضيع سابقة