الإعتداء اللفظي!


الكلمة الطيبة تفعل فعل السحر الشافي لقلوبنا وارواحنا ،... بينما تأتي كلمات الغضب من سب وقذف واساءة... لتؤذي مشاعرنا... وتصيبنا بالاحباط والهزيمة النفسية،... وهو ما عبر عنه العلماء بالعنف اللفظي ...

وجاء تعبيرالخالق العظيم.. في محكم كتابه.. ليبرهن على الأثر الكبير للكلمة الطيبة ويصفها بالشجرة الطيبة التي تؤتي أكلها في كل حين،... بينما حذرنا من الكلمة الخبيثة...

وشبهها بالشجرة الخبيثة... التي اجتثت من فوق الأرض وما لها من قرار ..

وفي الأثر الشعبي... "لسانك حصانك ان صنته صانك وان هنته هانك "..

كما يقال الملافظ سعد ،.. فالكلمة التي ينطقها الإنسان اما ان تصون كرامة الإنسان... وتنشر قيم التسامح والود والتعاون،...

وأما تكون قنبلة موقوتة تدمر الأخضر واليابس.. وتهدم سلامة المجتمعات بما تحمله من عنف وقسوة ...

وقد أفادت الدراسات اللسانية عن ظاهرة العنف اللفظي.. وتتمثل في قول الكلام البذيء والسب والشتم... أنها تعد قاسما مشتركا بين كل اللغات الإنسانية...

حيث تمحور معظم الكلام غير المهذب في كل اللغات حول الإساءة بالألفاظ السيئة... بما فيها من تحقير للآخر.. واستلاب لقدرته وإرجاعه لدرجة الحيوان أو حتى الجماد...

بينما تتباين ردود أفعال الناس من العنف اللفظي،.. فمنهم من يندد به ويدعو للتصدي له وردع مستعمليه بكل الوسائل.. حتى لا يستفحل هذا "الداء" الاجتماعي بما يحمله من إساءة للعرف والأخلاق الحميدة،... بل ويذهبون إلى الزج بالسجن لكل من يتفوه بالسب واللعن،..

بينما تراه فئات اجتماعية من قبيل موضة،... وأنه لا فائدة ترجى من الصد والزجر...

سيقت العديد من التبريرات حول أسباب لجوء بعض الفئات الإجتماعية لممارسة العنف اللفظي من ألفاظ بذيئة.. خاصة لدى الشباب وفي سن المراهقة ،...

فأوضحوا ان المراهقين يحاولون البرهنة على أنهم أصبحوا في مصاف الرجال وودعوا الطفولة البريئة،.. والبعض الآخر يرى فيه ترويحا عن النفس ...

ومن منظور علماء الألسنة،.. فأن العنف اللفظي أو أي تفوه بالسب أو الشتم.. يمثل عملية تنفيس مؤقتة يتمكن بواسطتها الشاتم من تمييز نفسه (الفاعل) في مرتبة أعلى من المشتوم (المفعول به)،.. وبذلك يشعر بالراحة النفسية...

وكثيرا ما يشبه اللسانيون العنف اللفظي بتعويض للعنف الجسدي... أو كمرحلة وسطى أو متقدمة للعنف الجسدي،.. وقد بينت الكثير من الأبحاث كيف أن الكلام البذيء.. قد تحول على المستوى الفردي أو المجتمع لعنف جسدي..

والغريب في ظاهرة العنف اللفظي... انها لا ترتبط بتراجع الوازع الديني... ، فبالرغم من حضور الوزاع الديني لدى الكثير من الشباب من كل الديانات ،... لكن نجدهم لا يحافظون القيم الأخلاقية داخل اديانهم ...

التربية والأخلاق من المفترض ان تغرس في الصغر بداخل الأسرة نفسها.. والقدوة الحسنة من الأهل والجيران والمجتمع... كما يدرب عليها الأطفال في المدارس من قبل المدراء والمدرسين والمشرفين... وتساعد قصص الأطفال في زرع هذه القيم وتهذيبها... كما تسهم وسائل الإعلام بكافة أنواعها في تهذيب الأطفال....

إلا أنه أحيانا او في كثير من الأحيان نجد أن كل هؤلاء يفعلون العكس من المرجو منهم..

***********

ويري العلماء ان العنف اللفظي.. يظهر نتيجة للتقصير والعجز في التواصل بطريقة أفضل.... ولا يجب السكوت عن هذا التقصير لما يمكن أن يخفيه من عجز عن التواصل.. ضمن المجموعة الواحدة قد ينمو بسرعة ويفضي إلى رفض للآخر...

يتنوع العنف اللفظي عبر مراحل الإنسان المختلفة.. فهناك عنف ضد الأطفال وعنف من المدرسة ضد الطلاب،..

وآخر ضد المرأة.. وضد التي يرى المجتمع انها في حالة خاصة او مختلفة عن الأخريات بالأحرى،..

وكل اشكاله تعبر في النهاية عن غياب الحوار.. لتحل محله قذائف كلامية تجهض أساليب التعامل السوي مع الآخرين..

****دراسات مفزعة..

ويبقي العنف اللفظي ضد الاطفال اشدهم خطورة،.. ففي دراسة لناتالي ساكس أريكسون من جامعة فلوريدا،.. كشفت فيها عن أن الأشخاص الذين تعرضوا لأي نوع من أنواع السباب ..خلال طفولتهم يصابون بالاكتئاب.. بنحو ضعفي أولئك الذين لم يتعرضوا للسباب ... ويتضاعف احتمال معاناتهم من اضطرابات القلق أو المزاج أكثر في حياتهم...

وفي دراسات جامعة كاليجري،... وجدوا أن العنف اللفظي يترك آثارا وأضرارا نفسية أكبر من الأضرار الناجمة عن العنف الجسدي..

أما الأبحاث الحديثة ،...

فقد بينت أن العنف اللفظي يترك آثارا أكبر بكثير مما كان يعتقد سابقا،... وذلك بفضل تطور الأجهزة الحديثة للتصوير الدماغي،..

فهو يؤدي إلى ضرر دائم في تركيب ونمو وتطور الدماغ البشري..

فقد وجدت الدراسة أن العنف اللفظي والنفسي.. يؤديان إلى أضرار دائمة في طريقة تكوين الدماغ تبقى مدى الحياة كجروح وندوب في الدماغ،.. وهذا ما أكده الباحث مارتن تاتشر وزملاؤه في كلية الطب بجامعة هارفرد..

إن هذه الجروح والندوب الدائمة في الدماغ التي تعوق نمو الدماغ.. بطريقة سليمة.. يمكن مشاهدتها بالوسائل الحديثة للتصوير الدماغي،.. وهذا ما تم بحثه في دراسة مقارنة نشرته المجلة الأميركية للطب النفسي،..

إذ وجدت الدراسة أن دماغ أولئك الأفراد الذين عانوا من عنف لفظي.. يحتوي على نسبة أقل من المادة الرمادية.. التي يعتقد أن لها علاقة وطيدة بمستوى الذكاء والقدرة على التحليل والتفكير المعقد..

بل في دراسة على أفراد أعمارهم تتراوح ما بين 18 و 25 سنة... تعرضوا للعنف اللفظي،... وجد تخلف في تطور الاتصال بين الفصين الأيمن والأيسر من الدماغ،.. وهي نفس المجموعة التي تعاني من نسبة أعلى من التوتر والاكتئاب والغضب والعداء.. والإدمان نتيجة العنف اللفظي في مرحلة مبكرة من أعمارهم...

ويري علماء النفس ان العنف اللفظي يعبر عن خلل عميق في التنشئة،.. وان المرأة اكثر تعرضا للإساءة اللفظية سواء من طرف الزوج أو أهله... إذا ما أهملت شؤون البيت،.. إضافة الى العنف الرمزي الذي تعكسه إشارات احتقار،.. تهميش وعزل...

في هذا السياق ايضا اشارت دراسة أردنية عام 2010 بعنوان...

" كسر دواء الصمت "..

ان الاعتداءات اللفظية ضد المرأة.. هي الأكثر من مثيلتها الجسدي والنفسي.. وان النساء غير المتزوجات وعلى رأسهن المطلقات.. أو الغير متزوجات أكثر حساسية من الأرامل من هذا العنف ...

ورصدت الدراسة نفسها ان نصف النساء (العينة) جرت اهانتهن امام أطفالهن وعائلاتهن وجيرانهن ...

بينما يرصد علماء نفس آخرون.. انتشار ظاهرة العنف اللفظي خلال مرحلة المراهقة بشكل اكبر،...

وانها أكثر حضورا بين طلاب المدراس،... مرجعين ذلك إلى تغييرات عضوية ونفسية تجعل المراهقين أكثر اضطرابا،... وتدفعهم الى السب والشتم أو التهديد الذي يدفع ثمنه المعلم جسديا،.. باعتبار أن العنف اللفظي غالبا ما يؤدي الى العنف الجسدي.

****************

منقول...

مواضيع سابقة