التعليم في التاريخ الإسلامي


كثيرًا ما نقرأ القرآن الكريم ونتأمل الآيات ثم نأخذ منها المفهوم الفقهي أو الحكم الشرعي فقط، ولكننا لا ننظر إلى مجمل القرآن أو تجميع الآيات نظرة عميقة لنتأمل الأوامر الصريحة وغير الصريحة من الله سبحانه وتعالى. فربما يتساءل البعض لماذا أجد في معظم الآيات قصة سيدنا موسى عليه السلام؟ فلقد ذكر الله تعالى قصة سيدنا موسى عليه السلام عدة مرات، ولكن القرآن لم يقتصر على قصة سيدنا موسى فقط، فلقد ذكر قصصًا كثيرة منها قصص الأنبياء والرسل والقوم الظالمين والمفسدين في الأرض، ولكن الغريب أن الله سبحانه وتعالى ذكر قصصًا لأشخاص ليست لهم علاقة بالأنبياء والرسل، فهم أشخاص أراد الله أن يقص علينا قصصهم لنتعلم منها. فسورة الكهف تحتوي على قصة أصحاب الجنتين، فهم شخصان أعطاهما الله من رزقه فمنهم من جحد ومنهم من شكر والشاكر يزيده الله. وأيضًا نرى قصة أصحاب الكهف فيقول الله سبحانه وتعالى فيهم “إِنَّہُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَـٰهُمۡ هُدً۬ى”. فهم مجرد فتية أراد الله أن نتعظ منهم من تلك القصة الجميلة. وأيضًا نرى قصة ذي القرنين القائد العظيم الذي يجهل معظمنا قصته. وإذا تابعنا في قراءة القرآن سنجد أن معظمه عبارة عن قصص، سواء قصص أنبياء أو رسل أو قرية بأكملها أو موقف بعينه. فيوضح الله لنا سبحانه وتعالى سبب هذه القصص فيقول “فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ”. وهنا يوضح الله لنا أن القصص أو التاريخ يجعلنا نتفكر ونتعلم، فالحياة ليست صومًا وصلاة وتصدقًا، فربما وأنت تقرأ هذا الكلام تجده لا يتماشى مع العنوان، فما علاقة هذا الكلام بالعلم في التاريخ الإسلامي؟ دعني أقول لك عزيزى القارئ أن التاريخ الإسلامي مليء بالأشياء التي نجهلها، فأصبح الجيل الحديث يتجاهل ما حدث في التاريخ من أحداث فلا نتعلم منها، وهنا أقول لكم ألم يأمرنا الله بالتأمل في التاريخ؟ أليس معظم القرآن الكريم تاريخ وقصص تعليمية؟ إذًا لماذا نتجاهل التاريخ بشكل عام والتاريخ الإسلامي بشكل خاص؟ فالتاريخ الإسلامي لا يقتصر على العلم الشرعي فقط، فنحن من أسسنا العلم التجريبي الحديث الذي يجعل الغرب يتحكمون فينا اليوم. فدعونا نأخذ نظرة على العلم في التاريخ الإسلامي لعل قلبك ينشرح، لعلنا نتعلم ممن سبقونا، لعلنا نتعظ أن الدين لم يكن حاجزًا يومًا أمام العلم والتطور. فالعلماء المسلمون ما تركوا علمًا إلا وبرعوا فيه من كيمياء وهندسة وأحياء وتاريخ وجغرافيا وحساب وجولوجيا وفلك وطب. بل هم من أسسوا معظم هذه العلوم، فلعلنا نسمع كثيرًا كلمة “العصر الذهبي” وتلك الكلمة لم يطلقها المسلمون على أنفسهم بل أطلقها الغرب على المسلمين مما رأوه من تطور، ويشاء الله أن تكون تلك الفترة متزامنة مع “العصر المظلم” الذي حل على دول الغرب من فساد وجهل وأمراض وتخلف وهم لا ينكرون ذلك التاريخ ولكننا نحن من نجهله فلا نعلم كيف ندافع عن حضارتنا. دعونا نأخذ نظرة على بعض العلوم وكيف برع المسلمون فيها: علم الكيمياء فقبل الحضارة الإسلامية لم يكن علم الكيمياء إلا محاولة لتغيير المعادن من أصلها إلى معدن آخر وهذا ما نبأنا به معظم الفلاسفة مثل “أرستو”، أنه يمكن تحويل الحديد إلى ذهب وأن الكون عبارة عن أربع عناصر وهم الماء والنار والهواء والأرض، و كل شيء يتكون من تلك الأشياء فقط فمن الممكن تغيير المعادن إلى شيء آخر. تلك كانت نظرة العالم إلى الكيمياء حتى جاء علينا العالم المسلم الكبير “جابر بن حيان”، فكان جابر بن حيان أول من أسس علم الكيمياء وظل هذا العلم يتداول في أوروبا لوقت طويل باسم “صنعة جابر”، فهو أول من ابتكر تجارب عملية معملية في هذا العلم، فيقول “ومِلاكُ كمال هذه الصنعة العملُ والتجرِبة؛ فمَن لم يعمل ولم يُجَرِّب لم يظفر بشيء أبدًا”. (جابر بن حيان: كتاب التجريد، ضمن مجموعة حقَّقها ونشرها هولميارد بعنوان: مصنفات في علم الكيمياء للحكيم جابر بن حيان، باريس 1928م). فيقول العالم “هوليمارد” “إن الصنعة الخاصة عند جابر هي أنه قد عرف وأكَّد على أهمية التجريب بشكل أوضح من كل من سبقه من الكيميائيين”. (عمر فروخ: تاريخ العلوم عند العرب ص251). فجابر بن حيان أول من لاحظ رواسب كلوريد الفضة عند إضافة ملح الطعام إلى نترات الفضة، وهو أيضًا أول من استخدم الشب لتثبيت الصبغة في الملابس والقماش، وهو أول من اخترع موادًا تمنع القماش من البلل وهذه الملابس تعرف بالـ Water Proof في عصرنا هذا، فهو أول من ابتكرها عند اكتشاف مواد أملاح الألومنيوم المشتقة من الأحماض العضوية ذات الأجزاء الهيدروكربونية. وهو أيضًا أول من فصل الذهب عن الفضة بواسطة الأحماض، وشرح بالتفصيل كيف ننقي المعادن من الشوائب. (جلال مظهر: حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي ص281). وهناك الكثير من الأعمال التي قام بها جابر بن حيان ولا يستطيع أحد إنكارها حتى يومنا هذا وهناك علماء كثيرون في علم الكيمياء مثل الرازي وخالد بن يزيد وغيرهم. فمن اكتشافات المسلمين بشكل عام في علم الكيمياء: (حامض النيتريك)، وزيت الزاج (حامض الكبريتيك)، وماء الذهب (حامض النيترو هيدرو كلوريك)، وحجر جهنم (نترات الفضة)، والسليماني (كلوريد الزئبق)، والراسب الأحمر (أكسيد الزئبق)، وملح البارود (كربونات البوتاسيوم)، وكربونات الصوديوم، والزاج الأخضر (كبريتيد الحديد)، واكتشفوا: الكحول، والبوتاس، وروح النشادر، والزرنيخ، والإثمد، والقلويات. (دونالد ر. هيل: العلوم والهندسة في الحضارة الإسلامية، ترجمة أحمد فؤاد باشا ص120-126). علم الفيزياء فالمسلمون أول من قسموا الصوت إلى أنواع وأول من اكتشف أن الصوت يحدث عن طريق حركة الأجسام وأول من حللوا أصوات الحيوانات وأعطوا سببًا لاختلافها وأول من عرفوا صدى الصوت وقالوا أنه انعكاس للصوت. (علي بن عبد الله الدفاع: روائع الحضارة العربية الإسلامية في العلوم ص115). ومن أشهر العلماء المسلمين في علم الفيزياء “أبو الريحان البيروني”، فهو أول من عين الكثافة النوعية وقسمها إلى ثمانية عشر نوعًا، وشرح خروج الماء من الآبار والعيون وهذا الكلام كان بداية لقانون الجاذبية الذي خرج به نيوتن علينا. (ول ديورانت: قصة الحضارة 13/186، وانظر محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص133). وهناك الكثير والكثير من العلماء المسلمين في علم الفيزياء ممن حددوا كثافة المواد وضغطها واخترعوا ميزانًا لوزن الجسد في الأرض والهواء. فتلك الأشياء نراها في عصرنا الحديث ولا نعلم أن أصلها من العالم الإسلامي. علم الأحياء علم الأحياء يحتل القمة في أهمية العلوم الطبيعية في عصرنا اليوم ومن العجيب أن المسلمين برعوا في هذا العلم. ومن أشهر علماء علم الأحياء “ابن النفيس” فإذا سألت أي أحد عن هذا العالم الجليل فسوف تجده يعلم أنه هو مكتشف الدورة الدموية وقد سجلها وشرحها بدقة كبيرة في كتاب “شرح تشريح القانون”. ومن أبرز العلماء أيضًا “أبو بكر الرازي” فكان أبو بكر الرازي معجزة بمعنى الكلمة في علم الأحياء والطب، فيتعجب منه العلماء حتى يومنا هذا من عقليته الفاذة التي اكتشفت واخترعت وطبقت. فكان أبو بكر الرازي رئيس الأطباء في مستشفى العضدي وكانت هذه أكبر مستشفى في العالم في ذلك الوقت. (الدفاع: رواد في الحضارة الإسلامية ص218). فكان الرازي أول من صنع مراهم الزئبق، ووصف عملية استخراج الماء من العيون، وأول من استخدم الأفيون في علاج حالات السعال الجاف، وأول من اعتبر الحمَّى عرضًا لا مرضًا. ومن أهم الأشياء التي فعلها الرازي هو العلم التجريبي على الحيوانات، فهو أول من استخدم الأدوية على الحيوانات، وذلك ما يفعله كل العلماء اليوم حتى يصنعوا دواءً فائق الدقة قبل أن يتم تجريبه على الإنسان. (ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء 1/78). علم الهندسة العلوم الهندسية بجميع أنواعها سواء معمارية أو ميكانيكية، إلخ، برع فيها العلماء المسلمون بل أسسوا تلك العلوم لتكون مهدًا للصناعات والحضارات الحديثة في العصر الحديث. فمن أشهر اختراعات العلماء المسلمين في الهندسة الساعات التي اخترعها الساعاتي المهندس محمد بن علي والد فخر الدين رضوان بن الساعاتي، فكان يعلم كل ساعة تمضي من النهار بتلك الساعات فإذا تمَّت الساعة خرجت الحيَّة فَصَفَّرت العصافير، وصاح الغراب، وسقطت حصاة في الطستِ، فَيَعْلَمُ الناس أنه قد ذهب من النهار ساعة. (ابن الساعاتي: رضوان بن محمد بن علي بن رستم، فخر الدين الخراساني، ابن الساعاتي (ت 618هـ/ 1221م). *•• (ابن كثير: البداية والنهاية 9/180). ومن أشهر علماء الهندسة أيضًا العالم الفذ “أبو العز إسماعيل بن الرزاز الجزري” فهنا تكون المفاجأة، إنه هو أول من اخترع فكرة الإنسان الآلي في القرن السادس الهجري، وكان استخدامه هو المساعدة في المنزل. “طلب منه الخليفة أن يصنع له آلة تُغْنِيهِ عن الخدم كُلَّمَا رغب في الوضوء للصلاة، فصنع له الجزري آلة على هيئة غلام منتصب القامة، وفي يده إبريق ماء، وفي اليد الأخرى منشفة، وعلى عمامته يقف طائر، فإذا حان وقت الصلاة يُصَفِّر الطائر، ثم يتقدَّمُ الخادم نحو سيِّدِه، ويصبُّ الماء من الإبريق بمقدارٍ مُعَيَّنٍ، فإذا انتهى من وضوئه يُقَدِّمُ له المنشفة، ثم يعود إلى مكانه، والعصفور يُغَرِّدُ”. (كتاب الجزري: الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل). فهناك الكثير والكثير من الاختراعات والاكتشافات التي قام بها المسلمون، ففي عصر الدولة العباسية كانت المكاتب الإسلامية التي تحتوى على جميع العلوم الدنيوية هي أكبر مكاتب العالم، مثل مكتبة بغداد التي دمرها التتار في غزة بغداد ووضعوا تلك الكتب في الماء ليعبروا عليها بخيولهم، فهل لك أن تتخيل كمية الكتب التي تكفي لوضعها في نهر فيعبر عليها الجنود بخيولهم؟ والله إن تاريخنا عظيم والله سبحانه وتعالى لم يُنزل القرآن العظيم بقصص عظيمة لتكون “حواديت قبل النوم” أو كرتون يشاهده الأطفال في رمضان. إن القصص القرآنية تعلمنا أن نقرأ القصص الدنيوية ونتعلم منها، فحضارتنا قصص وتاريخنا قصص وعلمائنا قصص. فاقرأوا التاريخ واعلموا حضارتكم وحضارات غيركم فتلك هي الحياة التي نحن عنها غافلون. “فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ” – صدق الله العظيم. اسلام وجدي

مواضيع سابقة