نسبية الزمن وتمدده في قصه اهل الكهف

نسبية الزمن وتمدده في قصه اهل الكهف

وقبل أن نبدأ ، أرجو أن تنتبه عزيزي القارئ إلى قوله عز وجل: (نَحْنُ نَقُصُّ

عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ

وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) فرغم أن الخطاب في هذه الآية موجه لشخص النبي (صلى الله

عليه وسلم) ، إلا انه عموما موجه لجميع الناس ، وبعبارة أدق إلى من هم خارج الكهف

. فاستحضار هذا المعنى دائما حين التدبر في آيات قصة أصحاب الكهف يمكن من استيعاب

مرام وأهداف القصة بسهولة.

مدخلنا الأول لاستخلاص الدليل على السفر عبر الزمن إلى المستقبل ، قوله

تعالى :

( ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا

لَبِثُوا أَمَدًا (12)

هذه الآية توضح ، دون لبس، الهدف الأساسي من وراء بعث هؤلاء الفتية فما هو

؟ نترك الأمر للإمام القرطبي في تفسيره العظيم ليلخص لنا أقوال الجمهور في تفسير

الآية يقول :

(والحزبان الفريقان. والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم الفتية إذ ظنوا

لبثهم قليلاً. والحزب الثاني أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم، حين كان

عندهم التاريخ لأمر الفتية. وهذا قول الجمهور من المفسرين.ثم قال أي أيّ الحزبين

أحصى للبثهم في الأمد، والأمد الغاية. وقال مجاهد: «أمدا» معناه عددا.)

هذا التفسير ، غاية في الدقة، وغاية في الذكاء ويشرح بصورة واضحة وبينة أن

الهدف من وراء بعث أصحاب الكهف من جديد ، هو معرفة تقدير الحزبين لمدة البقاء داخل

الكهف ، وهذا يعنى أن لكل حزب تقدير يختلف عن تقدير الحزب الآخر ! رحم الله الإمام

القرطبي هذا الألمعي الفذ!

ومن هم الحزبان ؟ حسب تفسير القرطبي وهو ما عليه الجمهور أيضا ، إن الحزب

الأول هم أصحاب الكهف أما الحزب الثاني فهم الناس خارج الكهف ، ومن هم خارج الكهف كما

يشمل أهل المدينة آنذاك، يشمل أيضا كل الناس حتى يومنا هذا. فما هو تقدير كل منهما

لمدة البقاء داخل الكهف ؟

تقدير الحزب الأول:

وهم أصحاب الكهف ، فقد قالوا وبالإجماع: (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ

يَوْمٍ ) بمعنى أن مدة لبثهم داخل الكهف بتقديرهم ، هي يوم أو اقل من يوم ! أي لم

تزد عن اثنتي عشر ساعة أو هي اقل من ذلك، وكانوا على قناعة تامة بهذا الأمر ، ولم

تكن هذه القضية مثار خلاف بينهم ولم تكن تشغل بالهم البتة. ويدل على ذلك قوله

تعالى (قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ) والآية تعنى ، دعونا

من هذا الأمر ، وكلوه إلى الله ، فانصرفوا سريعا عن هذه القضية إلى ما هو أهم من

ذلك! وما يؤكد سرعة انصرافهم ، فان الجزء المكمل للآية ابتدأ بحرف العطف الفاء

وذلك في قوله تعالى : ( فَابْعَثُوا أَحَدَكُم). و استخدام حرف العطف الفاء يفيد

الفورية في تجاوز الأمر ، و سرعة الانتقال من حال إلى حال. والأمر المتجاوز هنا هو

مدة اللبث في الكهف ، تجاوزوه سريعا إلى ما هو أهم ، وما هو أهم هو شعورهم بالجوع

والحاجة إلى الطعام . كما هو في ختام الآية: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ

هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم

بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19وامثلة

استخدام حرف العطف الفاء للدلالة على الانتقال السريع من حال إلى حال له شواهد

كثيرة في آيات القرآن كما في قوله تعالى:

{وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ

} سبأ51 وشاهدنا قوله ( فلا) اى فور فزعهم أحكمت القبضة عليهم ولم يفلت احد .

وقوله تعالى :

{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ

السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا

كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ

فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ }). 29 النحل وقوله تعالى

(فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ) دليل على سرعة دخولهم لها.

وكما في قوله تعالى :

({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا

أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا

دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ

لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ

وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) . فالآية تدعو المؤمنين ضرورة مغادرة

بيوت النبي فور الانتهاء من الطعام لأن الانتظار كان يؤذيه (صلى الله عليه وسلم)

والأمثلة كثيرة.

هل تحمستم لمعرفه القدير الثاني

موقع maraga

مواضيع سابقة
  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon

©2017 BY ANFAS-ALROUH. PROUDLY CREATED WITH WIX.COM