النفاق العملي


(النفاق الأصغر):...

وهو عمل شيء من أعمال المنافقين مع بقاء الإيمان في القلب،..

وهذا لا يُخرج من المِلة،...

لكنه وسيلة إلى ذلك... ، وصاحبه يكون فيه إيمان ونفاق،.. وإذا كثُر صارَ بسببه منافقًا خالصًا،..

والنِّفاق الأصغر خطَرُه جسيم؛.. لأنَّه وسيلةٌ للأكبر،.. حتى إذا استمرأَه الإنسان استدرجَه إلى الأكبر...

ومن أهم صفات هؤلاء:..

1- خيانة الأمانة،.. والكذب والغدر،.. والفُجور عند المخاصمة:.

عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال:..

(أربع مَن كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومَن كانت فيه خَصْلة منهنَّ،.. كانت فيه خَصْلة من النفاق حتى يَدَعَها - إذا اؤتُمِن خان، وإذا حدَّث كذَب، وإذا عاهَد غَدَر،.. وإذا خاصَم فَجَر))؛...

أخرجه البخاري ومسلم..

2- التخلُّف عن الصلاة،.. وخصوصًا صلاة الفجر والعشاء:..

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال:...

((ليس صلاةٌ أثقلَ على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما، لأَتَوْهما ولو حَبوًا)؛.. أخرجه البخاري.

3- التكاسل في أداء الصلاة والرياء في الأعمال:...

قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ﴾..

[النساء: 142، 143].

4- متلوِّن بأكثر من لون:...

ظاهره يختلف عن باطنه، ربما يعطي الله تعالى له هيئة وطولاً، فخامة ولونًا،.. عيونًا واسعة،.. جبهة عريضة مثلاً،.. وأن يكون طليق اللسان،..أنيقًا جدًّا، ..فما قيمةُ هذا؟!..

قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾

[المنافقون: 4].

** نَقْر الصلاة وإخراجها عن وقتها:..

من حديث العلاء بن عبدالرحمن أنه دخَل على أنس بن مالك في دار بالبصرة، حين انصرَف من الظهر،.. وداره بجَنْب المسجد،..

فلمَّا دخلنا عليه،... قال: أصليتُم العصر؟..

فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر،..

قال: فصلُّوا العصر،.. فقُمنا فصلَّيْنا،.. فلمَّا انصرفنا،..

قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:..

((تلك صلاة المنافق،.. يجلس يرقُب الشمس حتى إذا كانت بين قَرْنَي الشيطان،.. قام فنَقَرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلاَّ قليلاً))؛ رواه مسلم.

فالمنافق إما أن يكون إنسانًا مؤمنًا بالله،.. لكنَّ إيمانه ضعيف،.. وغَلبته نفسُه،.. فانساقَ مع شهواته،..

وهذا هو النفاق الأصغر الذي نرجو لصاحبه الهداية والتوبة منه؛ قال تعالى:...

﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 19، 20].

لكنهُ لم يذهب بسمعهم وأبصارهم؛.. لأنه ينتظر أن يَهتدوا وأن يؤمنوا..

**وأما النفاق الأكبر،..

فهو أن يتنكَّر لكل ما جاء في الكتاب والسنة،.. ولكنه يفعل أفعال المسلمين تمشيًا مع مصالحه الخاصة؛..

قال تعالى: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ [البقرة: 17، 18].

أسباب النفاق:.

النفاق مرض خطير وشر مستطير،.. وكل مرض له أسباب تؤدي إليه،.. ومن أهمِّ أسباب النِّفاق:..

1- ضَعْف الإيمان واليقين في الله عزَّ وجلَّ وما عندَه:..

فآثَر المنافِقُ الدنيا العاجلة؛.. لأنها ملموسةٌ،.. وترَك الآخرة،.. فصار قلبُه خَرِبًا خاليًا من الإيمان بالله،.. وأصبح بيئةً خصبة للنفاق.

2- الحقد الشديد على الإسلام والمسلمين:..

ولأن الإسلام حرَمَه من الامتيازات التي كان يَحصُل عليها بطريق غير مشروع وبغير وجه حقٍّ،..

ولأن الإسلام ساوَى بينه وبين الجميع، وحَفِظ حقوقَ البشر كلهم،.. وأنه ليس في موقف القوة،.. فإنه آثرَ العمل في الخَفاء؛.. كعبدالله بن أُبيِّ ابن سلول.

3- حب الشهوات والجاه والرياسة والزعامة،.. والخوف من ضياعها:..

قد يكون لبعض المنافقين جاه ورياسة يخاف إن أظهَر كفره أن يتفرق عنه أتباعه وأعوانه، فيُخفيه ويُظهر الإسلام؛...

كما فعل عبدالله بن أُبَي ابن سلول،... فإنه كان قاب قوسين أو أدنى من الرياسة في قومه،.. ثم تفاجَأ بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة سيدًا فيها وحاكمًا لها، فكان هذا ما حمله على النفاق في مبدأ الأمر...

4- حب الدنيا رأس كل خطيئة:..

قال تعال: ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [البقرة: 10].

هذا المرض حُب الدنيا؛.. فعن أبي الدرداء رضي الله عنه: (حبك الشيءَ يُعمِي ويُصِم)؛ أخرجه أبو داود...

حُب الدنيا هو الذي يَحمل على معصية الله،.. وهو الذي يحمل على أن تأخذَ ما ليس لك،.. وهو الذي يحمل على أن تطغى وأن تبغي؛...

لذلك قال تعالى: ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [البقرة: 10]،..

﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾،..

فلما أصرُّوا على هذه الشهوات وتشبَّثوا بها،..

﴿ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا ﴾، أطلقهم إليها لعلَّهم يتخلصون منها، ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون على الله عز وجل..

إذًا أساس النفاق حُب الدنيا،.. وحب الدنيا عبَّرَ الله عنه بكلمة: ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾.

من المنافقين من يكون سبب نفاقه حب الدنيا والطمع في الغنائم؛.. ولهذا نراهم يخرجون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لا يقاتلون... ، ومنهم من لا يخرج، وإذا رجع رسول الله جاء معتذرًا طمعًا في عطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه عنه،..

فهم لحبِّهم الدنيا يُؤمِّلون الغنائم،... وقد ذكر الله سبحانه صفتهم هذه في قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾.. [التوبة: 42].

وقد كان هذا في غزوة تبوك،.. لَمَّا رأى المنافقون شِدة الحر وبُعد المسافة،.. تخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،.. فأنزل الله هذه الآية مُوبِّخًا لهم،.. ومبينًا أن السفر لو كان قريبًا سهلاً،..

والغنيمة قريبة المتناوَل حاضرة - لخرجوا معك، أما قولهم لما جاؤوا يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،... فهو مجرد كذب؛.. لأنهم كانوا مستطيعين.

مواضيع سابقة