درجة الحياة السابعة قبل ابن آدم الأمانةالمقدسة


ذكرت ان ابن آدم قبل الأمانة الربانية المقدسة العليا..

وهي القدرة على الاختيار والعقل والدين.. وقبل الله له هذا التكليف لعلم يعلمه الله بإذنه.. رغم انه كان ظلوما جهولا...

"إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا "(الاحزاب-72) .

فما هي الامانة بأقوال العلماء :-...

عرض الله تعالى طاعته وفرائضه وحدوده على السموات والأرض والجبال..

على أنها إن أحسنت أثيبت وجوزيت ،.. وإن ضيعت عوقبت ،..

فأبت حملها إشفاقًا منها أن لا تقوم بالواجب عليها ،.. وحملها الإنسان.. ، إنه كان ظلوما جهولا ...

هذا هو تفسير قول الله عز وجل :..

" إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا )"..

(الأحزاب -72 )...

وتفسير الأمانة بالتكاليف الشرعية.. هو قول ابن عباس والحسن البصري ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وابن زيد وأكثر المفسرين ...

قال قتادة :..

الأمانة :.. الدين والفرائض والحدود ...

وقيل : بل عني بالأمانة في هذا الموضع : أمانات الناس ...

وقال بعضهم : الغسل من الجنابة ...

وقال زيد بن أسلم :..

الأمانة ثلاثة : الصلاة ،.. والصوم ،.. والاغتسال من الجنابة ...

قال ابن كثير رحمه الله :-

"وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها ، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف ،.

وقبول الأوامر والنواهي بشرطها ،.. وهو أنه إن قام بذلك أثيب ،.. وإن تركها عُوقِبَ ،.

فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه ،.. إلا مَنْ وفق اللَّهُ "..

وقال الطبري رحمه الله :-

" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قاله الذين قالوا: إنه عُنِي بالأمانة في هذا الموضع:..

جميع معاني الأمانات في الدين وأمانات الناس وذلك أن الله لم يخص بقوله :..

(عَرَضْنَا الأمَانَةَ) بعض معاني الأمانات لما وصفنا" ،..

"تفسير الطبري" .

وقال القرطبي رحمه الله :-

" الأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال ،.. وهو قول الجمهور " ."الجامع لأحكام القرآن" .

وقال السعدي رحمه الله :-

" جميع ما أوجبه الله على عبده أمانة ،.. على العبد حفظها بالقيام التام بها ،..

وكذلك يدخل في ذلك أمانات الآدميين ،.. كأمانات الأموال والأسرار ونحوهما ،..

فعلى العبد مراعاة الأمرين ،.. وأداء الأماني..

( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) "...

وقال الشنقيطي رحمه الله :-

" ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه عرض الأمانة ،..

وهي التكالىف مع ما يتبعها من ثواب وعقاب على السماوات والأرض والجبال..

وأنهن أبين أن يحملنها وأشفقن منها ،.. أي : خفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك عذاب الله وسخطه ،..

وهذا العرض والإباء والإشفاق كله حق ،.. وقد خلق الله للسماوات والأرض والجبال إدراكا يعلمه هو جل وعلا ،..

ونحن لا بعلمه ،.. وبذلك الإدراك أدركت عرض الأمانة عليها ،.. وأبت وأشفقت ،..

أي : خافت " انتهى ..

"أضواء البيان" ...

والخلاصة :-...

أن الأمانة المذكورة في هذه الآية الكريمة ،.. والتي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال ،..

فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ،.. وحملها الإنسان ،..

هي التكالىف الشرعية ،.. سواء في ذلك حقوق الله تعالى ،..

وحقوق عباده ،.. فمن أدى حق الله وحق عباده أثيب. ومن فرط في حق الله وحق عباده استحق العقاب ..

لقد كرم الله ابن ادم على كل الخلائق باذنه ورحمته:..

"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا"...

(الاسراء -70)

"لقد خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ "(التِّينِ-4)...

يقول الله جل وعلا :..

( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا )..

(الإسراء-70)

قال ابن كثير رحمه الله :..

" يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَشْرِيفِهِ لِبَنِي آدَمَ ، وَتَكْرِيمِهِ إِيَّاهُمْ ، فِي خَلْقِهِ لَهُمْ عَلَى أَحْسَنِ الْهَيْئَاتِ وَأَكْمَلِهَا

كَمَا قَالَ تعالى :..

"لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ "(التِّينِ-4)،..

أَيْ : يَمْشِي قَائِمًا مُنْتَصِبًا عَلَى رِجْلَيْهِ ، وَيَأْكُلُ بِيَدَيْهِ -

وَغَيْرُهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ وَيَأْكُلُ بِفَمِهِ - وَجَعَلَ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَفُؤَادًا ، يَفْقَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ ،

وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ ، وَيَعْرِفُ مَنَافِعَهَا وَخَوَاصَّهَا وَمَضَارَّهَا فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ "وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ )"..

أيْ : عَلَى الدَّوَابِّ مِنَ الْأَنْعَامِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ ،.. وَفِي الْبَحْرِ أَيْضًا عَلَى السُّفُنِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ..

( وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ )..

أَيْ : مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ ،.. وَلُحُومٍ وَأَلْبَانٍ ، مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الطُّعُومِ وَالْأَلْوَانِ ، الْمُشْتَهَاةِ اللَّذِيذَةِ ،..

وَالْمَنَاظِرِ الْحَسَنَةِ ،.. وَالْمَلَابِسِ الرَّفِيعَةِ مِنْ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ ،. عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا وَأَلْوَانِهَا وَأَشْكَالِهَا ،..

مِمَّا يَصْنَعُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ ،.. وَيَجْلِبُهُ إِلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ مِنْ أَقْطَارِ الْأَقَالِيمِ وَالنَّوَاحِي

( وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا )..

أَيْ : مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَأَصْنَافِ الْمَخْلُوقَاتِ ينبغي أن يُعْلم :..

أن الله جل جلاله : هو المتفرد باختيار ما يختاره ،.. واصطفاء ما يصطفيه ، كما أنه المتفرد بخلق ذلك كله ،..

سواء بدا لنا حكمته في خلقه واصطفائه ،..

أو لم يبد ؛.. فلله سبحانه الحكمة البالغة في خلقه وتدبيره ...

قال ابن القيم رحمه الله :..

" فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ وَالِاخْتِيَارِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ ،..

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :"وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ "(القصص-68).....

فَكَمَا أَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ ،.. فَهُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالِاخْتِيَارِ مِنْهُ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْلُقَ ،.. وَلَا أَنْ يَخْتَارَ سِوَاهُ . ..

فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِمَوَاقِعِ اخْتِيَارِهِ ، وَمَحَالِّ رِضَاهُ ،.. وَمَا يَصْلُحُ لِلِاخْتِيَارِ مِمَّا لَا يَصْلُحُ لَهُ ، وَغَيْرُهُ لَا يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ..."..

قال : " وَإِذَا تَأَمَّلْتَ أَحْوَالَ هَذَا الْخَلْقِ ،.. رَأَيْتَ هَذَا الِاخْتِيَارَ وَالتَّخْصِيصَ فِيهِ :..

دَالًّا عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ تَعَالَى ، وَوَحْدَانِيَّتِهِ ،..

وَكَمَالِ حِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ ، وَأَنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ،.. فَلَا شَرِيكَ لَهُ يَخْلُقُ كَخَلْقِهِ ، وَيَخْتَارُ كَاخْتِيَارِهِ ،..

وَيُدَبِّرُ كَتَدْبِيرِهِ ،.. فَهَذَا الِاخْتِيَارُ وَالتَّدْبِيرُ وَالتَّخْصِيصُ ،.. الْمَشْهُودُ أَثَرُهُ فِي هَذَا الْعَالَمِ مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِ رُبُوبِيَّتِه ِ،..

وَأَكْبَرِ شَوَاهِدِ وَحْدَانِيَّتِهِ ،.. وَصِفَاتِ كَمَالِهِ ،.. وَصِدْقِ رُسُلِهِ ..""زاد المعاد" ...

"ابن ادم خليفة الله في الارض "

"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ

قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (البقرة-30)..

"الآية الكريمة تدل على أن الله جل وعلا جعل هذا الإنسان وهو آدم عليه الصلاة والسلام.. خليفة في الأرض

عمن كان فيها من أهل الفساد وعدم الاستقامة،..

وقول الملائكة يدل على أنه كان هناك قومٌ يفسدون في الأرض،..

فبنت ما قالت على ما جرى في الأرض،.. أو لأسباب أخرى اطلعت عليها فقالت ما قالت فأخبرهم الله سبحانه وتعالى

بأنه يعلم ما لا تعلمه الملائكة،.. وأن هذا الخليفة يحكم الأرض بشرع الله ودين الله،..

وينشر الدعوة إلى توحيده،.. والإخلاص له،.. والإيمان به..

وهكذا ذريته بعده يكون فيهم الأنبياء،.. ويكون فيهم الرسل،.. والأخيار،.. والعلماء الصالحون،.. والعباد المخلصون،.

إلى غير ذلك مما حصل في الأرض من العبادة لله وحده،... وتحكيم شريعته،..

والأمر بما أمر به، والنهي عما نهى عنه...

هكذا جرى من الأنبياء والرسل،.. والعلماء الصالحين، والعباد المخلصين،..

إلى غير ذلك،..

وظهر أمر الله في ذلك،. وعلمت الملائكة بعد ذلك هذا الخير العظيم،.

ويقال: إن الذي قبل آدم هم طوائف من الناس ومن الخليقة يقال لهم:.

الجن والحن...

وبكل حال فهو خليفة لمن مضى قبله وصار قبله في أرض الله ممن يعلمهم الله سبحانه وتعالى،..

وليس لدينا أدلة قاطعة في بيان من كان هناك قبل آدم،. وصفاتهم، وأعمالهم، فليس هناك ما يبين هذا الأمر،..

لكن جعله خليفة يدل على أن هناك من كان قبله في الأرض،.. فهو يخلفهم في إظهار الحق،.

وبيان شريعة الله التي شرعها له،.. وبيان ما يرضي الله ويقرب لديه، وينهى عن الفساد فيها..

وهكذا من جاء بعده من ذريته قاموا بهذا الأمر العظيم،.. من الأنبياء،.. والصلحاء،.. والأخيار،..

دعوا إلى الحق ووضحوه،. وأرشدوا إلى دين الله،.. وعمروا الأرض بطاعة الله وتوحيده والحكم بشريعته،.

وأنكروا على من خالف ذلك.( الشيخ بن باز).

مواضيع سابقة