الهوى سيف ذو حدين

‎تحدث القرآن الكريم كثيرًا عن أولئك الذين انحرفوا عن طريق الفطرة وضلوا الطريق إلى بارئ النسم وموجدهم من العدم، فتنكروا لعبوديتهم له ونعمه عليهم ووقعوا أسارى شهواتهم مضطهدين تحت سلطان هواهم، وقد أشار القرآن الكريم إلى أكثر مظاهر هذا التأثير حدة وذلك عندما يبلغ درجة يصبح بها المتصرف في ميول واتجاهات المرء فيصبح الآمر الناهي، فتجد الواحد منهم يهرب من العبودية لله إلى عبودية هواه! ومن عز التوحيد إلى دركات الشرك، ومن رق واحد وعبودية محضة لله الواحد القهار إلى استرقاق أرباب متفرقين؛ وكما يقول ابن القيم فإن هؤلاء:

‎هربوا من الرق الذي خلقوا له *** فبلوا برق النفس والشيطان

‎بما أن النفوس مجبولة على حب هواها فإن القرآن يعترف لها بهذا الطبع البشري لكنه في الوقت نفسه ينهاها عن الاستمراء في إرضاء هوى الأنفس، مذكرًا بالنتائج الوخيمة لاتباع مقتضى الهوى؛

‎قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ} [سورة الجاثية، الآية: 23]، فمن اتبع رغباته وشهواته أينما وجهته يتوجه وراءها يوشك أن يطيع هواه ويعصي الله عز وجل، وذل المعصية لا بد أن يقوم بالقلب فيورثه خوفًا من غير الله، وهذا نوع من العبودية لغير الله واتخاذٌ للهوى إلهًا من دونه .

‎يتلخص من كل هذا أن اتباع الهوى قد يكون شركًا أكبر، وقد يكون شركًا أصغر، وقد يكون ذنبًا من الذنوب والمعاصي كبائر كانت أم صغائر؛ وهو في كل الأحوال تنكب عن جادة الهداية إلى الضلال ومن نِجاد الخير إلى طريق الشر؛ دليل ذلك أن الله تعالى ما ذكر الهوى في القرآن الكريم إلا في سياق الذم؛ لأنه مخالف للشرع، وسبب للضلال والانحراف.

مواضيع سابقة