المال

المــال..

قال تعالى:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

فالمال أحد أكبر الشهوات التي أودعها الله فينا، والمال أحد أكبر أسباب التقرب من الله عز وجل.

لكن بادئ ذي بدء المال قوام الحياة، فحينما تعمل تكسب مالاً حلالاً تشتري به بيتاً، وتتزوج، تنجب أولاداً، وتسعد بأهلك وبأولادك، هذا المشروع الكبير أساسه أن لك عملاً ترتزق منه، فالمال قوام الحياة.

أيها الإخوة الكرام، لا بد من إيضاح دقيق لدور المال في حياة المؤمن.

أولاً: النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ـ لكن النبي عليه الصلاة والسلام رفيق قال: وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ))

[ رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

المال قوام الحياة، فينبغي أن تكون ذا مال إذا كان طريق كسبه وفق منهج الله، المال قوة، ومعنى قوة أن الخيارات المتاحة للغني في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى، بماله يزوج شاباً، بماله يعالج مريضاً، بمال يرعى أرملة، بماله يطعم يتيماً، بماله ينشئ معهداً، بماله يؤسس ميتماً، بماله يفعل الخير، الخيارات المتاحة لصاحب المال لا تعد ولا تحصى، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام جعل الغني المؤمن قريباً من درجة العالم العامل.

(( لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ و آنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَ آنَاءَ النّهَار ))

[ متفق عليه ]

أن هذا المال أحد أكبر أسباب دخول الجنة، أن هذا المال أحد أكبر أسباب التقرب على الله، أن هذا المال يمكن أن ترقى به إلى أعلى عليين، ويمكن أن تهوي به إلى أسفل سافلين المال نفسه.

لكن أيها الإخوة، الآية الدقيقة جداً التي تبين قيمة المال:

﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5) ﴾

( سورة النساء: 14 )

موطن الشاهد:

﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾

تقوم حياتك على دخل تشتري طعاماً لأهلك وأولادك، تشتري كساءً تستأجر بيتاً، يعني المال قوام الحياة، إذاً هذا الذي يدعي أنه لا يحب المال أنا لا أصدقه.

لقد أودع الله في الإنسان حب المال، وهذا شيء متغلغل في أعماق النفس، لكن هناك من يعترف، وهناك من لا يعترف، ولكن شهوة المال مودعة في كل إنسان اعترف أو لم يعترف، صرح أو لم يصرح، الحقيقة الأولى أن المال قوام الحياة، فلا تحتقر المال، المال مِن نعمِ الله الكبرى إذا كان كسبه مشروعاً، وكان إنفاقه في وجوه الخير.

أيها الإخوة، شيء آخر في موضوع المال، هو أن المال حيادي، الغنى خير ؟ نعم ولا، إذا أنفق المال في طاعة الله فهو خير، وإذا أنفق في معصية الله فهو شر، المال ليس نعمة وليس نقمة، ولكنه موقوف على طريقة إنفاقه، بل على طريقة كسبه أيضاً، لذلك الإنسان يوم القيامة يُسأَل عن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه ؟ يسأل عن عمره، وعن شبابه، وعن علمه، أما عن ماله فيسأل سؤالان: من أين اكتسبه، و فيمَ أنفقه ؟

أيها الإخوة، الحقيقة الأولى: المال قوام الحياة، وإذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت، ولأن الله سبحانه وتعالى من حِكَمه البالغة أنه أودع فينا حاجات، حاجة إلى الطعام والشراب، وحاجة إلى الجنس، وحاجة إلى تأكيد الذات، وهذه الحاجات الثلاث تحتاج إلى المال، فكأنه دفعنا إلى كسب المال، والفكرة الدقيقة أن الله عز وجل حينما وصف بشرية الأنبياء قال:

﴿ وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾

( سور الفرقان: 20 )

هم مفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام، ومفتقرون في ثمن الطعام إلى المشي في الأسواق، لذلك هذا الذي لا يعمل لا مكان له في مجتمع المسلمين، سيدنا عمر يقول: << إني أرى الرجل لا عمل له يسقط من عيني

في " حُب المـال"

ليس كسبُ المال دليلَ حبِّ الله للعبد:!!

هناك أشياء ثانوية وأشياء تسمى رفاهاً وزيادة، فإذا لم يأكل الإنسان بعض أنواع الفواكه الغالية والنادرة هل يموت من جوعه ؟ لا، لكنه يأتي بهذه الفواكه.

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَن * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾

( سورة الفجر )

فيقول، وهذه مقولته، كأن الله عز وجل ما قبِل هذا الجواب:

﴿ كَلَّا ﴾

( سورة الفجر الآية: 17 )

ليس كسبُ المال دليلَ حبِّ الله للعبد

إذا آتى الله الإنسان المال، وما كان مستقيما، وكان منحرفا، يقول لك: الله يحبني، لأنه أعطاني المال، مَن قال لك ذلك ؟ قارون أغنى منك:

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) ﴾

(سورة القصص)

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾

( سورة القصص الآية: 79 )

﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾

( سورة القصص الآية: 81 )

لا يمكن أن يكون المال مقياساً لمحبة الله

الله عز وجل يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب، ما دام الله عز وجل يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب إذاً لا يمكن أن يكون المال مقياساً لمحبة الله، ولا يمكن أن يكون نقص المال مقياساً لبغض الله عز وجل، أعطى الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، وزويت عمّن يحب وعمّن لا يحب، إذاً: ليست مقياساً.

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَن * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾

( سورة الفجر )

الجواب الإلهي:

﴿ كَلَّا ﴾

(سورة الفجر الآية: 17 )

كلا أداة ردع، فضلاً عن أنها أداة نفي، قال لك رجل جائع: هل أنت جائع ؟ تقول له: لا، لا سمح الله ولا قدر لو قال لك هل: أنت سارق ؟ هل يكفي أن تقول له: لا ؟ تقول له: كلاّ، فكلمة كلاّ تنفي الرغبة والإقرار والموافقة إطلاقاً، كأن الله عز وجل يقول: ليس عطائي إكراماً، ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء، وحرماني دواء، الدليل:

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾

( سورة الفجر)

إنفاق المال أحد أسباب التقرُّب إلى الله

أيها الإخوة، يجب أن تعلم علم اليقين يقيناً قطعياً أن أحد أكبر أسباب التقرب إلى الله إنفاق المال، الدليل قال تعالى:

﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ (177) ﴾

( سورة البقرة)

﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾

قال علماء التفسير: " تحتمل هذه الكلمة: ﴿ عَلَى حُبِّهِ ﴾ معنيين: إما آتى المال وهو يحبه، أو آتى المال حباً في الله.

على كلٍّ:

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (92) ﴾

( سورة آل عمران)

المعنى الأول صحيح، والمعنى الثاني صحيح:

﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ (177) ﴾

( سورة البقرة)

دققوا الآن:

﴿ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ (177) ﴾

( سورة البقرة)

لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون

آتى المال على حبه شيء، وإيتاء الزكاة شيء آخر، إيتاء الزكاة فرض، أما آتى المال على حبه فهو تطوع، وعلامة محبتك لله أن تنفق من مالك فضلاً عن أموال الزكاة صدقةً.

﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ (177) ﴾

( سورة البقرة)

إذاً: أيها الإخوة، أحد أكبر أسباب التقرب من الله عز وجل إنفاق المال، وورد في بعض الآثار:

(( أن عبدي أعطيتك مال فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ـ شر الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً ـ فيقول الله له: ألم تعلم بأني الرزاق ذو القوة المتين ؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ـ يسأل عبد آخر ـ أعطيتك مالاً فماذا صنعت في ؟ يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين، لثقتي بأنك خير حافظاً، وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله له: أنا الحافظ لأولادك من بعدك ))

[ ورد في الأثر ]

المال قوّةٌ:

فإنفاق المال أحد أكبر أسباب القرب من الله، والمال قوة:

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))

[ رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

فرص العمل الصالح أمام الغني كثيرة وغير متاحة للفقير

أقول لكم هذه الحقيقة، دققوا: إذا كان طريق كسب المال الحلال سالكاً وفق منهج الله فالأرجح أنه ينبغي أن تكون غنياً، لأن الغنى قوة، ولأن فرص العمل الصالح التي تتاح أمام الغني كثيرة جداً، وليست متاحة أمام الفقير.

أحيانا يكون الشاب بأعلى درجات الاستقامة لكن ما عنده بيت، وشابة مؤمنة حافظة لكتاب الله ما أحد يخطبها، أنت هيئت بيتا، فهذا الشاب تزوج هذه الفتاة، أنت أسست أسرة مؤمنة صالحة، وهذا عمل عظيم، وأنا رأي الآن أن ما مِن عمل أعظم منه أن تسهم بحل مشكلات الشباب، أن تهيئ بيتا لشاب، وبهذا البيت يتزوج شابة تحصنه ويحصنها، وتستره ويسترها، وتسعده ويسعدها، المال قوة، لك أن تنشئ مشروعا خيريا، أن تعمل تنشئ ميتما، أن تبني معهدا شرعيا، أن تبني مستوصفا، وهذا المال إذا كان طريق كسبه سالكاً وفق منهج الله بعمل مشروع، بتجارة مشروعة فهو شيء وفق منهج الله، أما إذا كان طريق الغنى على حساب دينك وقيمك ومبادئك فالفقر وسام شرف لك، هذا منهج الله.

إذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله فالأرجح والأكمل أن تسلك هذا الطريق، لأنك إذا كنت غنياً فالغنى قوة، وفرص العمل الصالح المتاحة أمامك لا تعد ولا تحصى، كيف أن القوي بتوقيع يحل مشكلة، بتوقيع يقر معروفاً، ويزيل منكراً، بتوقيع يقرب مخلصاً ناصحاً، ويبعد فاجراً منافقاً، والمال يمكن أن تملأ قلب الناس محبة لك بإنفاقه.

" يا داود، ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حبِّ مَن أحسن إليها وبغض من أساء إليها ".

النابلسي-

مواضيع سابقة