الفن الافريقي

الفن الافريقي القديم

الرقص الافريقي..


‎"الرقص في أفريقيا هو بداية كل شيء، وما على الكلام سوى اتباع الرقصات؛ ليتحول الحديث إلى أنغام وألحان ورقصات، فالرقص والغناء والأقنعة هي تراث القارة الأفريقية"

(الزعيم سنغور)

عندما يذكر "الرقص الأفريقي" تتعالى في أذهاننا أصوات الطبول القوية والرقصات الجماعية الممتلئة بالحركة والحيوية، لكن كلمة "الرقص" وحدها غالبا ما تكون مصحوبة بمفاهيم مختلفة عن تلك التى تصاحب الرقصات الأفريقية، أكثر هذه المفاهيم شهرة هو التفسير الفرويدي الذي يقول بأن الدور الرئيس للرقص هو التنبيه والانفعال الجنسي؛ لكن الرقص في أفريقيا له وظائف تختلف كثيرا.

فالرقص في المجتمعات الأفريقية لا يعتبر نوعا من الإثارة والترفيه والمتعة كما هو شائع في المجتمعات الحديثة، إنما يعبر عن ضرورة واحتياج أساسي فهو جزء رئيسي من الطقوس الدينية والاجتماعية، فهناك رقصات لكل المناسبات حتى إن الكاتبة الزنجية الأميركية بيرل بريمياس صنفت الرقصات الأفريقية المختلفة في مجموعات تمثل في تتابعها دورة الحياة الكاملة من بدايتها إلى نهايتها، فهناك رقصة للإخصاب ورقصة الميلاد والبلوغ والخطبة والزواج والموت، وهي المراحل التي يمر بها كل كائن حي.

يرقص الأفارقة حتى في مواجهة جلال ورهبة الموت، ورغم غرابة الأمر إلا أنهم يعتقدون أن بالموت يكمل الحياة، وأن أولئك الذين يموتون ينتقلون إلى حياة الخلود والخير المطلق؛ وهو أمر يستحق من الأحياء أن يشعروا بالفرح ويعبروا عن سعادتهم بالرقص والغناء.

..

الرقـص و ما لا تعرفه عن الافريقيين..

الرقص عند شعوب الارض لغة للجسد قد تعني متعة أو تعبيراً عن فرحة أو تحريراً للروح، أما الرقص عند الإفريقي فهو لغة للحياة والموت ومابينهما، هو طقس أساسي لايتم الاستغناء عنه في مجمل حياة الإفريقي اليومية، هو لغة تستطيع الصراخ والضحك واللعب والكراهية أومقاومة الخوف والبلادة.. فالشعوب الإفريقية هي أول من عرفت لغة الجسد أي الرقص وهي أول من وطدت سلطة هذا الطقس وسيدته منذ الميلاد وحتى الموت .

‎الرقص يتعلمه الأفارقة كما يتعلمون الكلام، ليعبروا عن مشاعرهم وأحاسيسهم، وأيضا طموحاتهم وأمانيهم، ويتميز بمقومات درامية تعكس صورة الصراع المتبادل بين الإنسان الإفريقي وقوى الطبيعة المحيطة به.

‎هذا التعريف الموجز للرقص يشير إلى علاقته بالحياة داخل المجتمعات الإفريقية، وهي علاقة وثيقة متلازمة تكاد تجعل منهما شيئاً واحداً أو على حد تعبير الكاتبة الزنجية الأمريكية (بيرل بريمياس): (الرقص عند الإفريقي هو حياته. وبين الرقص والحياة زواج مغناطيسي، وحين أكتب عن الناس والحياة في إفريقيا، لا أجد أمامي مصدراً أصدق من الرقص).. 
ومن هنا كانت الجماعية سمة أصيلة للرقص الإفريقي، فالناس في إفريقيا كلهم يرقصون، الأطفال والصبية والشباب والشيوخ، رجالاً ونساء.

ليس من الممكن هنا أن نقدم حصراً كاملا لأنواع الرقصات الإفريقية التي تمارسها الجماعات على اختلاف مواقعها الجغرافية، لكن من المناسب أن نعرض فقط لأهمها، وأكثرها شيوعاً.

ومن التعرف على دوافع هذه الرقصات يمكن أن نتبين مدى أهميتها وأثرها العميق في حياة الإفريقي، والتي تمثل في تتابعها دورة الحياة الكاملة من بدايتها إلى نهايتها، وهي المجموعة التي تتكرر في كل مجتمع إفريقي.. من رقصة الإخصاب، إلى رقصة الميلاد ، فالتكريس أو البلوغ، فالخطبة، فالزواج، فالموت، وهي المراحل التي يمر بها كل كائن حي.

في بعض القبائل يكون الاحتفال بالمولود الجديد عن طريق إشعال بعض الأوراق من الأشجار المقدسة عندهم، وتمرير الطفل عبر الدخان الناتج مرات ومرات، فهناك معتقد أنه بهذه الطريقة لن يتعرض الطفل للخوف طوال حياته!.

ومن المتفق عليه أن الشعوب الافريقية قد عرفت الرقص عن طريق احتكاكها الدائم بالحيوان في الحياة البدائية، حيث ظهر الرقص في البداية نوعاً من أنواع التقليد لحركات الحيوان، إلى أن أصبح وسيلة تعبير أتقنها الإنسان البدائي حتى أبدع فيها، فالرقص بالنسبة للشعوب الإفريقية لم يعد وسيلة للتعبير عن الفرح فقط، بل أصبح له مدلولات أخرى كثيرة فقد يكون وسيلة للترحيب بالغرباء، أو وسيلة للإعلان عن الحرب، أو حتى احتفالاً بالولادة أو الإخصاب، ففي موريتانيا هناك عادة تسمى “خومبل” وتتمثل هذه العادة في التغلب على المتاعب التي يسببها العمل مع غروب الشمس، وذلك من خلال الاستماع إلى الموسيقى الصاخبة والرقص لساعات، حتى يتبدد كل ألم، فضلاً عن جلب الحظ السعيد لليوم التالي.

..

والرقص الأفريقي تعبير يخص بالأساس أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وغالباً مايكون لها العديد من الأنماط الموسيقية والحركات والتعبيرات التي تختلف من قبيلة إلى أخرى يتم تداولها شفويا جيلاً بعد جيل .

و يعد إقليم غرب أفريقيا الأغنى بالتنوع في مجال الرقص والموسيقى التقليدية، مثل رقصة التضحية “دالاباني” و”الخصوبة “ أو “انجالادوجو”، ورقصة الصيد “ياموسوكرو” و رقصة الفضيلة، وهي رقصات غنية بالتعبيرات الرمزية، يستخدم فيها الراقصون الأقنعة والأزياء، وتعتمد أحيانا على التمثيل الصامت “البانتومايم” والرسم بحركات الجسم، و كأنما أجسادهم تخبرك رسالة ما مع كل انتفاضة نشوانة بحمى الرقص اللاهبة .

لكن.. لا تدع عفوية أداء الرقص الأفريقي تخدعك، فتتصور أنه مجرد فن عشوائي بلا قواعد، فالتدريب الموسيقي في المجتمعات الأفريقية يبدأ عند الولادة مع أغاني المهد، ويستمر مع مراحل الحياة المختلفة سواء في العمل أو بالمناسبات الاجتماعية المختلفة، وعلى الراقصين وقارعي الطبول أن يدرسوا الاختلاف والتباين بين الحركات والإيقاعات المختلفة إلى أن يتقنوا الرقص والأداء، وغالباً ما يحصلون على التقدير من المشاهدين كما ينالون بركات شيوخ القبيلة

وتمثل دقات الطبول النص اللغوي الأساسي الموجه لأداء الرقص، وهي أداة هامة في الثقافة الموسيقية الأفريقية، رغم أن أكثر الأصوات المستخدمة في الموسيقى الأفريقية هي صوت الانسان.. كما في قبائل الماساي.. التي لا تستخدم الطبول وتعتمد على التنغيم بأصوات فمية .

كما تحدثنا سابقاً الى جانب الطبول تستخدم في إيقاعات الموسيقى الافريقية التقليدية طائفة واسعة من المواد الصلبة الرنانة مثل الدلايات والأجراس، وتدريس الإيقاع على الأصابع فيما يسمى "بيانو الابهام"، والقرع بالعصى والصنوج القشية والطبول الأسطوانية والمزامير والأبواق المصنوعة من الخيزران وقرون الحيوانات، بالإضافة إلى الآلات الوترية.. التي تم اقتباسها من الثقافة العربية مثل القيثارة والعود والقانون الفلوت والصافرات و التصفيق باليدين وختم القدم، ولكل أداة من هؤلاء قوتها الدرامية ودورها في التعبيرعن مغزى الرقصة أو الأغنية يكون من الغريب أن نتصور مجتمعاً يرقص في مناسبة الموت، لكنه تقليد لا يرى فيه الإفريقي هذه الغرابة التي يراها غيره، لأن الإفريقي يعتقد أن دورة الحياة إنما تكتمل بالموت.. أو على حد تعبيره بالعودة إلى العالم اللامنظور، لأن المرء حين يموت ينتقل إلى عالم الخلود مع أرواح السلف.. وفي هذا خير كبير لمن فارق حياة الأرض.. وعلى الأحياء أن يسعدوا بهذا الخير وأن يعبروا عن فرحهم المصوب بالغناء والطبل..

ولقد لخص الفيلسوف الإفريقي المعروف (ألكسيس كاجامي) سر سعادة الإفريقي بالموت، وعدم إحساسه العميق بالحزن بقوله إن (الفلسفة الإفريقية تؤمن بالخلود، فالموت ليس إلا الامتداد الأولي للحياة المنظورة. والإفريقي ينظر إليه باحترام، تماما كما ينظر إلى الميلاد.. ولهذا يحتفل بموت أقاربه وأعزائه بالرقص. لأنها المناسبة التي سيعود فيها الميت إلى أرواح أسلافه.


مواضيع سابقة