"النفس الخبيثة "


علامات خبث النفس، فقد ذكرها العلماء بعنوان: (علامات مرض القلب)

* أن العبد يتعذر عليه محبة الله عز وجل وإيثاره ومحبة الدار الآخرة، فيحيا في هذه الدنيا حياة البهائم، كما قال الله عز وجل: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ)) (محمد-١) فهو لا يعرف ربه عز وجل، ولا يعبده بأمره ونهيه، لا يعرف الأنس بالله عز وجل، ولا يعرف محبة الله عز وجل، ولا يعمل للدار الآخرة، بل يعيش ليأكل ويأكل ليعيش، فهو كالبهائم التي ليس لها هدف وليس لها غاية، فهو لا يدري لماذا خلقه الله عز وجل.

* لا تؤلمه جراحات المعاصي، فالجسد الحي يتألم بالجراحة إذا جرح، أما الميت: فلا يتألم وما لجرح بميت إيلام فهو لا يتألم بالمعاصي، وهذا الألم الذي يحس به المؤمن عندما يقع في المعصية يدعوه إلى التوبة وإلى الرجوع وإلى الاستقامة على طريق الله عز وجل، كما قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)) (الأعراف-201) أي: تذكروا عظمة الله، وتذكروا توعد الله عز وجل.

* لا يوجعه جهله بالحق، والجهل مصيبة من أكبر المصائب، كما قيل للإمام سهل: أي شيء أقبح من الجهل؟ قال: الجهل بالجهل وصدق، لأن هذا يسد باب العلم بالكلية، فإنسان يكون جاهلاً ويجهل أنه جاهل، فمثل هذا لا يقبل التعلم ولا يطلب العلم، فيظل في ظلمات الجهل، وفي الجهل قبل الموت موت لأهله، وأجسامهم قبل القبور قبور, وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور.

* عدول صاحب هذا القلب عن الأغذية النافعة إلى السموم الضارة، فبدلاً من أن يسمع القرآن الذي وصفه الله عز وجل بقوله: ((وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)) (لإسراء-82) يستمع إلى الغناء والموسيقى والتمثيليات الهابطة والأفلام الساقطة التي تقتل الغيرة عند الرجال وتضيع حياء النساء، وفيها من الاستهزاء بشرع الله عز وجل وبعباد الله وتنبت النفاق، وتجعل الإنسان مستهتراً بالآخرة لا يصلح للخوف ولا يصلح للرجاء ولا يصلح للتوكل، ولا يصلح أصلاً لمحبة الله عز وجل وعبادة الله عز وجل.

* أن العبد يستوطن الدنيا ويرضى بها، وتصير الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه، فلا يسعى للآخرة ولا يحس في الدنيا بغربة، ولا يتطلع إلى الدرجات العالية وإلى مجاورة الله عز وجل في الجنة.

قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في درء تعارض العقل والنقل: والرسل صلوات الله عليهم وسلامه بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بإفسادها وتغييرها، قال تعالى: ((فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون)) (سورة الروم-30/32} وفي الصحيحين عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: فطرة الله التي فطر الناس عليها ـ قالوا يا رسول الله أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين ـ وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا فالإقرار بالخالق سبحانه وتعالى والاعتراف بوجود موجود واجب الوجود قديم أزلي، كما أنه مركوز في الفطرة مستقر في القلوب

(تم التلخيص من كتاب البحر الرائق: دكتور أحمد فريد)

"ذم الخبث والنفس الخبيثة"

أوَّلًا : في القرآن الكريم قال تعالى : " الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ " (النور-26).

قال قتادة : (الخبيثات من القول والعمل للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول والعمل) (جامع البيان،للطبرى).

وقال مجاهد : (القول السيئ للخبيثين من الرجال والنساء، والقول الحسن للطيبين من الرجال والنساء) (تفسير مجاهد).

(وقيل في الخبيثات للخبيثين ثلاثة أوجه الأول : الخبيثات من الكلام من الخبيثين من الرجال، عن ابن عباس ومجاهد والحسن الثاني : الخبيثات من السيئات للخبيثين من الرجال . الثالث : الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال) [تفسير ابن فورك] .

قوله تعالى : " وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ " (الأعراف-157).

قال ابن عباس : (هو لحم الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله) (جامع البيان،للطبرى).

في السُّنَّة النَّبويَّة قوله صلى الله عليه وسلم : ((لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِى، وَلكِنْ لِيَقُلْ : لَقِسَتْ نَفْسِى)) (رواه البخارى ومسلم).

قال ابن القيم : (فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظ الخبث؛ لبشاعته، وأرشدهم إلى العدول إلى لفظ هو أحسن منه، وإن كان بمعناه تعليمًا للأدب في المنطق، وإرشادًا إلى استعمال الحسن، وهجر القبيح من الأقوال، كما أرشدهم إلى ذلك في الأخلاق والأفعال) (الطرق الحكمية).

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم بالليل بحبل فيه ثلاث عقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإذا قام فتوضأ، انحلت عقدة، فإذا قام إلى الصلاة انحلت عقده كلها، فيصبح نشيطًا طيب النفس قد أصاب خيرًا، وإن لم يفعل أصبح كسلًا خبيث النفس لم يصب خيرً"( البخارى ومسلم).. وهو الذي لا يذكر الله ولا بتوضئ ولا يصلي ( ابن تيمية ).

قال ابن حجر : ( قوله : ((خبيث النفس)) أي : رديء النفس غير طيبها أي مهمومًا، وقد تستعمل في كسل النفس، وفي الصحيح "لا يقولن أحدكم خبثت نفسي "كأنه كره اللفظ، والمراد بالخطاب المسلمون) (فتح البارى،لابن حجر).

أقوال السلف والعلماء في الخُبْث قال أبو الدَّرداء : "ما لكم عباد الله لا تحابُّون وأنتم إخوانٌ على الدِّين، ما فرَّق بين أهوائكم إلَّا خُبْث سرائركم، ولو اجتمعتم على أمر تحاببتم، ما هذا إلَّا مِن قلَّة الإيمان في صدوركم، ولو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرِّها، كما توقنون بأمر الدُّنيا، لكنتم للآخرة أطْلَب، فبئس القوم أنتم إلَّا قليلًا منكم، ما حقَّقتم إيمانكم بما يعرف به الإيمان البالغ، فنبرأ منكم" (رواه بنحوه ابن أبى الدنيا فى ذم الدنيا). وقال ابن جماعة الكِنَاني:("ا يصحُّ العلم -الذي هو عبادة القلب- إلَّا بطهارته عن خُبْث الصِّفات وحدث مساوئ الأخلاق ورديئها) [تذكرة السامع والمتكلم] وقيل : (مَن طابت نفسه طاب عمله، ومَن خَبُثَت نفسه، خَبُثَ عمله)(الذريعة إلى مكارم الشريعة،للراغب الأصفهانى).

وقيل : (آفة الملوك سوء السِّيرة، وآفة الوزراء خُبْث السَّريرة، وآفة الجُنْد مفارقة القادة) . وقيل :(أربعة لا يثبت معها مُلْكٌ : غِشُّ الوزير، وسوء التَّدبير، وخُبْث النِّيَّة، وظُلْم الرَّعيَّة)

"كيف تعامل النفس الخبيثة "

وروى ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحاً، قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، وربّ غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقول: فلان، فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله تبارك وتعالى فإذا كان الرجل السُّوءُ: قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسّاق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحباً بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لَكِ أبواب السماء، فيرسل بها من السماء، ثم تصير إلى القبر. .."(مسلم )

"النفس الخبيثة من واقع مركبات الكينونة البشرية "

باذن الله ختام حديثنا عن النفوس البشرية .

النفس الخبيثة هي النفس التي تلوث عقلها بعقل الهوي فدسّاها "وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (الشمس -10)، اي من خبثها بالمعاصي والخذلان والذنوب ولوث الهوي .

وهي النفس التي اصبح العقل السالب هو المحرك والديناموا الذي يفعل نظامها فلا ترى الا السالب ولا تحكي الا تالسالب ولا تبصر الا السالب ولا تفكر الا بالعدوان والظن السيئ والشك والشر ولا تاكل الا الغث من الطعام ولا تشرب الا الضار من الشراب من الخمور او من مشروبات الطاقة وغيرها او تدمن على التدخين والاراجيل وربما المخدرات ولا تلبس الا الغلط من الثياب ولا تحب الا الساقط مما تسمع من الاصوات الا الجش او الموسيقي ذات الضحيج الصاخب المزعج الذي يعجبها وتحب العناد والمجاكرة والعراك والشجار وتستثمر العلاقات المحرمة من المحارم والاطفال وربما الشذوذ وكثير من العلاقات والسلوكيات السالبة تكون سمة لها ونمط حياة تحسبها هي الصحيحة وحدها وعداها يجب محاربته بعنف وقسوة وجراة ووحشية للاسف .

هي النفس التي سيطر عليها الطبع النجمي السالب الواجب قمعه فرأت الحلال حراما ورأت الطهارة جريمة يستحق اهلها ان ينفوْ من الارض .

"فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ" (النمل -56).

رات الحق باطلا ورات النور ظلاما فلا تعشق الا ما هو شاذ غريب مثير اعوج مستهجن .

هي النفس التي سكن فيها الشيطان وتقمص القرين والغي وجوده فكفر القرين مع الشيطان واصبح ابن ادم شيطانا يمشي على الارض مثله تماما يحقق هدفه الاصلي باغواء واضلال ابن ادم .

"وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ "(الانعام -112) .

حفظ الله نفوسنا باذنه.

مواضيع سابقة