ولادة المجرات و درب التبانه

مجرة درب التبانة...

درب التبانة التي لطالما حيرت حقيقتُها الفلاسفة والفلكيين القدماء...

افترض الفيلسوف الإغريقي ديموقريطس (450 قبل الميلاد).. أن الحزام العريض في سماء الليل.. ليس سوى نجوم موجودة على مسافات بعيدة... , أما أرسطو(384 قبل الميلاد).. فقد اعتقد بأن درب التبانة،.. أو الضوء الظاهر على شكل شريط في الليل.. قد تكون نتيجة "اشتعال الزفير الناري".. لنجوم كبيرة وذات أعداد كثيرة وقريبة من بعضها البعض،.. ويعتقد أن هذا الاشتعال يمارس نشاطاته في الطبقة العليا من الغلاف الجوي،.. أي أقرب من القمر،.. وهي "تلك البقعة من العالم التي تتضمن النشاطات الثقيلة في الكون كلها"..

في حين أن للأفلاطوني المحدث أولمبردس الصغير(495 بعد الميلاد)..

انتقاد لرأي أرسطو.. يجادل فيه بأنه لو كانت درب التبانة في تلك المنقطة التي يزعمها أرسطو.. (والتي تقع بين الأرض والقمر).. فإنه يجب أن تظهر بشكل مختلف مع اختلاف الأزمان والأماكن على الأرض،... وبالتالي فإنها يجب أن تتضمن نوعاً من التزيح يمكن ملاحظته،.. لكن من الواضح أنها لا تشتمل عليه،.. لذا فمن وجهة نظره درب التبانة "سماوية"....

بعد ذلك أول المحاولات لقياس ورصد التزيح الخاص بدرب التبانة.. بشكل فعال وعلمي ملموس بعيداً عن الفلسفة...

قد تم من قبل عالم الفلك العربي ابن الهيثم،... واستنتج بعد عدة محاولات بأن درب التبانة لا تحتوي على تزيح،.. لذا فإنه يترتب على ذلك أنها بعيدة جداً عن الأرض... وليست في غلافها الجوي... وبهذا أبطل ابن الهيثم بشكل علمي مزاعم أرسطو التي كانت سائدة قرابة 1500 عام فيما يتعلق بهذا الشأن..

أما العالم الفلكي البيروني... فقد افترض بأن درب التبانة عبارة عن "تجمعات غير معدودة من قطع نجمية تشكلت من السدم".... وهذا أقرب وأدق وأقوى الأقوال القديمة على الإطلاق... لأنه موافق تماماً لما اكتشف حديثاً من أن النجوم تولد من خلال تراكم سُدم غازية وغبارية،...

أما الفلكي الأندلسي ابن باجة ... فقد افترض بأن درب التبانة "عبارة عن تجمعات نجمية هائلة العدد.. وقريبة جداً من بعضها البعض.. حتى تكاد أن تتلامس،.. ويبدو أن صورتها ثابتة ولا تتغير بسبب تأثيرات الانكسار الناتجة من المواد تحت القمرية... مسنداً قوله إلى حالة الاقتران بين المريخ والمشتري.. كدليل على حصول ذلك عندما يقترب جرمان من بعضهما البعض..

، أما ابن القيم الجوزية فقد جادل بأن " لا يلزم عدم إدراكنا شيئاً من الكواكب في الفلك الأعظم عدم تلك الكواكب"... وهذا كله عائد في نظر ابن القيم إلى ضعف القوى الباصرة في ذلك الزمان.. ,وهذا القول على الرغم من بساطته حالياً إلى أنه صحيح تماماً في وقتنا الحالي... لأن الكثير كان يعتقد أن الكون مركب من النجوم والكواكب المشاهدة بالعين فقط... ولا يوجد سواها.. بينما وضح ابن القيم وجود نجوم أكثر وأكثر في أغوار الكون لكن لا نستطيع مشاهدتها...

أي أن العلماء المسلمين علموا هذا النوع من التشكلات الفلكية في وقت متقدم جداً قبل العلم الحديث،... ولو كانت بصورتها الأولية والمبدئية حيث نقضوا أقوال الفلاسفة السابقين في هذا الشأن،... خصوصاً ابن الهيثم الذي أثبت بالدليل القاطع عوار قول أرسطو بأن المجرة تقع أسفل القمر،... لذا فقد أخذت العلوم الفلكية قفزة قوية نحو الأمام بعدما كانت قابعة في ركود طويل..

في حين أن أول دليل ملموس بأن درب التبانةتحتوي على عدد كبير من النجوم.. قد تم تقديمه من قبل غاليليو غاليلي في 1610،.. وذلك بواسطة مقراب بصري عادي،.. حيث اكتشف أنها تحوي على أعداد هائلة من النجوم الخافتة ... ثم في عام 1750 تصور الفلكي البريطاني توماس ريت.. أن درب التبانة عبارة عن تجمع كبير جداً من النجوم التي تدور حول مركز ثقالة خاص بها.. (هذا التصور ينطبق مع العلم الحديث)،.. وذلك بنفس الآلية الخاصة بالمجموعة الشمسية.. ولكن على نطاق أكبر بكثير،.. والقرص الناتج بسبب النجوم يمكن أن يشاهد على شكل موجة من منظور الأرض بسبب موقعها داخل القرص...

وفي 1755 قام إمانويل كانت بكتابة مقالة مفصلة ليشرح ويدقق رأي توماس في بنية درب التبانة...

أول مشروع جعل من وصف شكل درب التبانة وتحديد موقع الشمس هدفاً له قد تولاه وليام هيرشلفي 1785,. وذلك عن طريق حصر أعداد النجوم في المناطق المختلفة من السماء،.. تمخض عن هذا المشروع رسم بياني لدرب التبانة تقع الشمس في منطقة قريبة من منتصفه ... وفي عام 1920 قام ياكوبس كابتين.. باستخدام نهج مشابه لنهج هيرشل.. فتوصل إلى إخراج صورة عن درب التبانة تبدو فيها إهليجية وحجمها قرابة 15 الف فرسخ فلكي،... وتقبع الشمس على مقربة من المنتصف كذلك...

وهناك مشروع آخر قام به هارلو شابلي.. مستخدماً آلية تعتمد على فهارس العناقيد المغلقة المعلومة مسبقاً،.. توصل شابلي إلى تصور مختلف تماماً تكون فيه درب التبانة عبارة عن قرص مستوي قطره قرابة 70 الف فرسخ فلكي... تكون الشمس بعيدة عن المنتصف... , لكن كِلا المشروعين فشلا في أخذ تشتيت الضوء بسبب الغبار الكوني في الحسبان.. والذي يتواجد في الاستواء المجري،.. لكن عندما تم تقدير هذا التأثير وإعطاؤه أهميته وأخذه بالحسبان تغيرت الصورة كليةً،.. حيث قام روبيرت ترومبلر بوضع هذا التأثير في قياساته لعام 1930.. وذلك من خلال دراسة العناقيد المفتوحة... حينها فقط انبثقت الصورة الحديثة لمجرتنا وعليها تُبنى التصورات الحالية...

مواضيع سابقة