ولادة المجرات..والات الزمن

آلات الزمن....

على الرغم من ذلك،.. تتيح لنا أداة -غاية في البساطة والقوة بنفس الوقت-.. أن نرى صورًا لماضي الكون والمجرات الأولى،.. إنها التلسكوبات... ولفهم تلك النقطة،.. دعنا نتخيل أن شعاع الضوء هو صديق قادم من مدينة أسيوط جنوبي مصر،.. لنقلِ خبر وفاة أحدهم في الإسكندرية شمالًا،... حدثت الوفاة في 09:00 مساء السبت،... لكنك لن تعرف عنها أي شيء،.. وسوف تظن أن هذا الشخص ما زال حيًا حتى يصلك الخبر عند 05:30 مساء الأحد.. حينما يصل صديقك إليك،..

هذا هو ما يحدث بالنسبة للمجرات،.. والنجوم كذلك... وكل شيء ،.. فحينما تتأمل مجرة تبتعد عنّا 2.5 مليون سنة ضوئية،.. فإن ما وصلك الآن هو الخبر -شعاع الضوء- الذي خرج منها منذ 2.5 مليون سنة،... قد يكون هذا النجم أو تلك المجرة قد انفجرا الآن.. وانتهى وجودهم.. لكن لا يمكن أن تعرف ذلك لأن الخبر انطلق حالا في رحلته وسوف يحتاج إلى 2.5 مليون سنة ليصل إليك،.. لن نكون موجودين لنسمعه إذن..

التلسكوبات إذن... هي آلات الزمن التي تسمح لنا برؤية ماضي الكون،... فكلما حصلنا على تلسكوبات أكبر وأدق،.. تمكنّا من النظر بدرجة أعمق في جوانب الكون من حولنا،...

فنرى مثلًا مجرة على بعد 500 مليون سنة ضوئية.. فنعرف أن ما نراه هو تاريخها قبل 500 مليون سنة،.. كلما تعمقنا أكثر وصلنا إلى جذور الكون بشكل أكبر،..

فإذا مثلا رصدنا مجرات على بعد 13 مليار سنة ضوئية،.. فنحن الآن نرصد شعاع الضوء الذي خرج منها بينما كانت طفلة قيد التكوين،... هذا هو ما يعطينا بعض المعرفة عن طفولة المجرات،..

لكن هنا يطرح سؤال آخر نفسه على طاولة النقاش،..؟!!

إذ كيف نعرف المسافة بيننا وبين تلك المجرات في المقام الأول؟؟؟

هناك عدة طرق يستخدمها الفلكيون لقياس المسافة بيننا وبين المجرات الأخرى،.. أشهر تلك الطرق هو ما نسميه الانزياح الأحمر المجري.. )(Cosmological Red Shift)،...

وهو قياس الطيف الصادر من المجرات البعيدة لتحديد سرعتها.. ثم إضافة السرعة لمعادلة هابل وإخراج المسافة منها؛.. حيث إن ادوين هابل حينما بدأ بقياس سرعة انحسار -ابتعاد- المجرات عنّا (Recessional Velocity)... كان ما وصل إليه هو واحد من أكثر نتائج علم الكونيات غرابة،.. فقد اكتشف أن هناك علاقة بين سرعة المجرات -تلك التي قاسها- والمسافة بينها وبيننا،..

فكلما كانت المجرة أبعد كانت سرعتها أكبر،.. لكي نفهم سر تلك الأحجية دعنا نتأمل التصميم المرفق...

ِهنا -في مدة زمنية محددة،.. لتكن ساعة واحدة- تتضاعف المسافة بين كل مجرة والأخرى،.. لكن بالنسبة للمجرة س فإن المجرة التي تليها والتي كانت تبتعد مسافة 1كم... أصبحت تبتعد مسافة 2كم،... أما تلك التي تبتعد مسافة 2 كم.. في الحالة الأولى فقد أصبحت تبتعد 4 كم،.. وهكذا كلما ابتعدت المجرة ارتفعت قيمة بُعدها عنّا في نفس الفترة الزمنية،.. مما يجعل المجرات الأبعد.. ، أسرع...

كلما كانت المجرة،.. إذن،... أكثر ميلًا للطيف الأحمر كانت أكثر سرعة.. وبالتالي أبعد في المسافة،.. وبذلك يمكن لنا عمل تصميم كامل ثلاثي البعد يوضح لنا المسافات بيننا وبين كل المجرات التي نعرفها.. بحيث نتعرف على مراحل تطورها خطوة بخطوة،.. لكن حينما نحاول عمل مسح سماوي،.. عبر ماسح سلون الإجمالي... (Sloan Digital Sky Survey)،..

لرصد توزيع المجرات في الكون.. حاليًا نجد أنها لا تتوزع بانتظام وإنما تتخذ شكل خيوط.. (جدران مسطّحة).. مترابطة معًا وفراغات شبه خالية من المجرات فيما بينها،.. يشبه الأمر قطع الأسفنج،.. في نقط التقاء تلك الخيوط معًا نجد التجمعات المجرية الكثيفة والتي تحتوي على آلاف المجرات،... هذا هو ما نسميه الشبكة الكونية.. (Cosmic Web)...

بالفعل،... تظهر لنا المجرات البعيدة للغاية عنّا في صورة بدائية غير منتظمة.. ما تزال قيد التكوين،.. في الحقيقة تمكن التلسكوب العظيم هابل في سنة 2016 من التقاط صور لأقدم المجرات بالفعل،.. وهي المجرة "GN-z11"... والتي تقع على بعد 13.4 مليار سنة ضوئية،.. فقط بعد 400 مليون سنة من الانفجار العظيم،.. ما يعني أننا التقطنا صورة للمجرة بينما كان عمر الكون حوالي 3% من عمره الآن،.. وقد كانت أقدم المجرات قبل تلك حول 13.2 مليار سنة ضوئية، لكن،..

هل تمكنّا أن نرى ما هو أقدم من ذلك؟..

..

الجزيرة نت

مواضيع سابقة