الروح في القرآن


هي قوله تعالى: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء : 85]" والتي يستدل بها أصحاب الرأي التقليدي على أن الروح سر من أسرار الله, ومن ثم فلا ينبغي علينا البحث فيها أو حولها, لأننا لن نصل إلى جواب مقنع حولها, لأنها أعلى من مداركنا البشرية المحدودة! لذا ننظر في باقي الآيات التي ورد فيها "الروح" لنبصر, هل أصابوا فيما قالوا أما فاتهم الصواب: الناظر في هذه الآية يجد أن الرب العليم قد رد بقوله: قل: الروح من أمر ربي, فهل هذا يعني أن الروح سر غامض غير مفهوم؟ لا, فهذه التركيبة وردت في آيات أخرى تتحدث عن الروح, والذي هو الوحي, تقول أنه من أمر الله, فالله تعالى يقول: يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ [النحل : 2] وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى : 52] رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ [غافر : 15] فهذه الآيات تقول كلها أن الروح من أمر الله, والروح هنا هو الوحي, فيكون كذلك المذكور في آية الإسراء هو الوحي! لا أن الله يقول أن الروح –الغير- موجودة في الإنسان سر لا يمكن الوصول إليه!! إلا أنه لما وردت بعض الروايات المغلوطة المزعومة في سبب نزول الآية فهموها كما قالت الروايات, فمما ورد بهذا الشأن ما جاء منسوبا إلى ابن عباس: " قال عكرمة عن ابن عباس: قالت قريش لليهود : أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فنزلت هذه الآية. وقال المفسرون: إن اليهود اجتمعوا فقالوا لقريش حين سألوهم عن شأن محمد وحاله: سلوا محمدا عن الروح، وعن فتية فقدوا في أول الزمان، وعن رجل بلغ شرق الارض وغربها، فإن أصاب في ذلك كله فليس بنبي، وإن لم يجب في ذلك فليس نبيا، وإن أجاب في بعض وأمسك عن بعضه فهو نبي فسألوه عنها، فأنزل الله تعالى في شأن الفتية - أم حسبت أن أصحاب الكهف - إلى آخر القصة , ونزل في الروح قوله تعالى - ويسألونك عن الروح - ." ا.هـ . احبتي الكرام إذا نظرنا في كتاب الله العزيز وجدنا أن كلمة"روح" قد وردت اثنتين وعشرين مرة, بصيغة المفرد, فلم تستعمل مثناة أو مجموعة, ولم تستعمل مضافة إلا مع الله, كما في قوله: "روحه" "روحنا", فلم يضفها قط إلى البشر فيقول: روحك, روحكم, أرواحكم أرواحهم, روحها .... الخبينما أتت النفس مفردة ومجموعة على صيغتي جمع, فجُمعت على أنفس ونفوس! كما أنها أتت مضافة إلى الله كما في قوله" وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ [آل عمران : 28]", وأتت مضافة إلى البشر بأشكال عدة, منها: هم في الجمع: أنفسهم, و: كم, أنفسكم, والكاف: نفسك ..... الخ.

ويمكننا أن نخرج من هذه المقارنة بأن الروح شيء متعلق بالله القدير, لأنه لم يستعمل إلا مفردا ومضافا إلى الله, ومن ثم فهو مثل النور, فالنور واحد من الله فقط, وليس هناك أنوار! لذا لا يمكننا أن نجمعه ونقول "أرواح", بينما من الممكن أن نستعمله منكرا. بينما النفس ليست شيئا مرتبطاً بالله فقط!فإذا نظرنا في الآيات التي وردت فيها كلمة روح, وجدنا أن الكلمة وردت في آيتين فقط بفتح الراء "رَوح", وهما قوله تعالى:يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف : 87]فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ [الواقعة : 89]

بينما جاءت في الآيات العشرين الأخرى بضم الراء "رُوح", مثل قوله:رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ [غافر : 15]

معنى الروح في القرآن الكريم أنّ القرآن الكريم يتحدّث عن ليلة القدر وعن هبوط الملائكة والروح فيها، وقد جاء ذكر (الروح) في القرآن في عدّة مناسبات من مثل مناسبة (ليلة القدر)، وسؤال اليهود ومشركي مكّة، وعند الحديث عن النبي آدم والنبي عيسى بن مريم عليهم السلام، ويوم القيامة. وفي أحد هذه المواضع يقول القرآن الكريم عن (الروح): «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ اُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً» (الاسراء/85). وهنا أودّ التذكير بأنه ليس من الصحيح مطلقاً تفسير (الروح) بما هو شائع عندنا من أنّها تعني النفس؛ أي ذلك الكائن اللطيف الموجود في أجسامنا. فالروح في هذه الآية وغيرها من الآيات تعني "روح القدس" التي كانت تنـزل على الأنبياء عليهم السلام. وبغض النظر عن البحوث الفلسفيّة الطويلة التي وردت بشأن تفسير هذه الكلمة، نقول إنّ (روح القدس) هي التي كان من المقرّر أن يسأل عنها اليهود ليعرفوا هل أنّ نبوّة الرسول حقّة أم لا؟ والآية الأخرى التي ذكرت فيها كلمة (الروح) تلك التي نزلت في خلق آدم عليه السلام والتي يقول فيها تعالى: «فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ» (الحجر/29). فهذه الآية تدلّ على أنّ الروح التي نفخت في آدم لم تكن تلك الروح التي نريد منها النفس، وإنّما هي نوع من النبوّة التي جعلت الملائكة يسجدون لآدم. وإلاّ فإنّ الإنسان ليس بأفضل من الملائكة إلاّ بالإيمان؛ والإيمان لا يتأتى إلاّ بالنبوّة. ولذلك فإنّ الروح التي هبطت على آدم وربط الله سبحانه وتعالى بينها وبين سجود الملائكة لم تكن إلاّ روح القدس التي هي النبوّة. وهكذا عندما يتحدّث القرآن الكريم عن النبي عيسى قائلاً: «فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا» (التحريم/12) إذ المعلوم أنّ عيسى لم يكن يمتلك الروح الموجودة في جسده، كما أنّ هذه الروح لم تكن روح الله تبارك وتعالى. وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ جميع أرواحنا لابدّ ان تتشابه مع تلك الروح. وفي آية أخرى يقول القـرآن الكريـم: «وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» (البقرة/253) فمن الملاحظ أن الله عز وجل يقـول في الآية السابقـة «رُوحنَا»، وفي هذه الآية يقول: «رُوح القُدس» ومن هنا نستنتج انّ المراد من كلمة «رُوحنَا» هو «رُوح القُدُس» أيضاً. وهذه الآيات كلّها تدلّ على أنّ معنى الروح هو (روح القدس) التي هي الواسطة بين الإنسان وبين الله سبحانه وتعالى؛ بين النبيّ وبين الخالق، والمتمثّلة في جبرائيل عليه السلام. والمهمّ في سورة القدر المباركة أنّ الله عز وجل يشير فيها إلى الملائكة التي هي كما جاء في بعض الروايات مخلوقات مرتبطة بالإشراف على الظواهر الطبيعية كالمطر والرياح والسحاب... ونحن نعلم أن (روح القدس) كان يهبط على الأنبياء عليهم السلام لغرض النبوّة كما يقول تعالى: «وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» (البقرة/253) و «فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ» (الحجر/29). المصدر / منتدى الوارث من العتبة الحسينية المقدسة.

مواضيع سابقة
  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon

©2017 BY ANFAS-ALROUH. PROUDLY CREATED WITH WIX.COM