القدس الاسلاميه


القدس مركز السلام والتعايش كانت القدس في التاريخ الإسلامي مركز سلام وتعايش ما بين مختلف الأديان السماوية الأصل (أهل الكتاب)، يعيدنا الكتاب لنتملَّى في هذه الحقيقة الراسخة، ويدفعنا في هذه اللحظة بالذات بالمعالم المصيرية التي تبدو فيها المدينة المقدسة مهدّدة، إلى استذكار أنها شهدت منذ الفتح الإسلامي (العمري) الذي لم يرتق أي من غزاة المدينة وفاتحوها إلى مستوى عدالته وتسامحه لحظتين كارثيتين أو نكبتين في تاريخها، هما: اللحظة الصليبية المندثرة، واللحظة اليهودية الصهيونية الإسرائيلية المعاصرة، والتي تمثلها الدولة العدوانية العبرية، هما من لحظات الخطيئة الكبرى في التاريخ، فلم تؤكد الهويتان الصليبية والصهيونية نفسيهما إلاّ من خلال محاولة تدمير الوجود الإسلامي في القدس ، وهدم القدس التاريخية العربية ـ الإسلامية وتغيير شخصيتها تغييراً كلياً، في حين تميَّزت الرؤية الإسلامية للقدس عقائدياً وتاريخياً بأنها رؤية تسامح وتعايش وسلام ما بين أبناء إبراهيم عليه السلام. القدس وجرائم الصهاينة لقد حولت جرائم الصهاينة الإسرائيليين اليوم المدينة المقدسة (المباركة) من مدينة تفيض بثقافة الإسلام والتعايش السلمي ، حيث كل شبر فيها يحمل بصمات نبيّ وأصداء ملاك ، إلى مدينة تفيض بالكراهية والحقد والخوف والضغينة. إن التهديدات الصهيونية الحالية تحفزنا على إعادة كشف ارتباطنا الأبدي الراسخ بهذه المدينة، واستكناه معانيها وجوهرها، فمصير القدس هو كما كان دوماً، جزء عضوي من مصيرنا. وفي عصرنا الذي أصبح قادراً عبر تقنياته المتطورة على انفتاح هائل يُقرِّب لو صحَّ انفتاحه، ما بين الثقافات والتجارب الإنسانية الكبرى، يصبح تاريخ مدينة عريقة سبقت إلى التعايش المثمر عبر التعددية الثقافية واللغوية والدينية، تاريخاً عميق المعنى بالنسبة إلى العالم اليوم. المكان المقدس يضع المؤمن في موقع «مركز العالم»، لأنه (المؤمن) يمثل نموذجاً ربانياً، وبهذا المعنى يتعامل الإنسان المؤمن مع مدنه وبقعه وأراضيه المقدسة وأماكن عبادته تبعاً لنموذج رباني إلهي عُلْوي « وتتحول الجماعة المؤمنة من خلال هذا «التقديس » ـ والذي يعبر عنه القرآن بـ « المبارك » ـ فضَاءها الكوني المليء بالغموض والحيرة والفوضى واللامعقولية إلى فضاء متسق محدد المعنى والمعقولية والغاية، عبر حدود قداسته، وهذا ما تكرسه العبادات والشعائر في علاقتها الروحية مع الأماكن المقدسة (المباركة) ». علاقة الجماعة المؤمنة بخريطتها الجغرافية المقدسة ليس لها علاقة بالخريطة العلمية المادية للعالم، إذ ترسم صور حياتها الباطنة الإيمانية ، وحين تحول الأرض المباركة (المقدسة) بمدنها وغياضها وجبالها إلى رموز لحياتها الروحية، وتمس المصادر العميقة والمبهمة لآلام الإنسان ورغباته العلوية، فإنها تطلق المشاعر الروحية من عقالها، لأنها ترتبط بالعالم العلوي عبر توسطات جغرافية رمزية، في حين أن الأنبياء المصطفين من عباد الله يتصلون بالعالم العلوي عبر الوحي، ومن هنا تشغل أماكن هؤلاء وتراثهم المادي وقبورهم مرتبةً ما في النظام الروحي الرمزي، وتضطلع بذلك في الوقت نفسه بدور جغرافي في وعي المؤمن. تنفرد القدس في إطار هذا المنظور بما يمكن تسميته بالجغرافيا المقدسة العليا للعالم، التي ترتبط بها الحياة الروحية الإيمانية للأديان الكبرى الثلاثة: اليهودية، والمسيحية والإسلام. أي ترتبط بها أرواح مليارات المؤمنين المتنوعين قومياً ولغوياً وثقافياً. وتتميّز الرؤية الإسلامية للقدس عن الرؤيتين اليهودية والمسيحية في أنها تدمج الجغرافيتين المقدستين اليهودية والمسيحية في مجالها المقدس ، وتعترف بهما إيمانياً مع تصحيح انحرافاتهما. ويبدو الإسلام عملياً الأكثر استيعاباً وانفتاحاً وشمولية بين الأديان الثلاثة ، فهو يقوم على اعتراف بمصداقية «أهل الكتاب» أي اليهودية والمسيحية، في أصلهما، ويعتبر نفسه خاتمة للأديان التوحيدية ومهيمناً عليها. وقد انعكس ذلك في الممارسة الفعلية حين تسنى لكل دين من هذه الأديان الثلاثة أن يكون بمنزلة الحاكم السياسي للقدس، ففي حين حرّم الصليبيون على المسلمين دخول القدس أو ممارسة شعائرهم المقدسة فيها، وصادروا الأماكن الإسلامية المقدسة، لا سيما منها قبة الصخرة والمسجد الأقصى والحرم الشريف، وقاموا بـ «تنصيرها»، كما قام اليهود بعد احتلالهم القدس في حزيران 1967م بمحاولة لم تتوقف حتى الآن عن تهويدها « المنهجي » بكل الوسائل الممكنة، فإن العرب المسلمين قد تركوا بيت المقدس حرّاً ومفتوحاً أمام المسيحيين واليهود على حدٍّ سواء، وتولوا حماية مقدساتهم، وعوضوا باستمرار عن أي أذى يلحق بها. يصدر الإسلام في تصوراته الاعتقادية الكبرى لجغرافيته المقدسة عن نظرة توحيدية عميقة لتاريخ الأديان، ترى أن هناك وحياً إلهياً واحداً يتجسَّد في عدة أديان توحيدية، وفي مقدمتها اليهودية والمسيحية، (قبل انحرافهما) ويشكل الإسلام ذروة اكتمال هذه الشرائع وخاتمتها في آنٍ واحد، من هنا أعاد استيعاب الأديان التي سبقته ضمن رؤيته التوحيدية، وهو ما يفسر إيمانه بالأنبياء السابقين وتصديقهم وعدم التفريق بينهم: {قولوا آمنا بالله ، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل، وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون} [سورة البقرة/ 136]. وحدة الجغرافيا الإسلامية المقدسة: تقوم المنظومة الجغرافية الإسلامية على الوحدة، وتتألّف هذه الوحدة من ثلاثة أطراف متدرجة القداسة، إلاّ أنها متكاملة ومترابطة، وهي: مكة (البيت الحرام) والمدينة (المسجد النبوي) والقدس (المسجد الأقصى والصخرة الشريفة). وينبني ترابط أطراف هذه المنظومة ووحدتها على رؤية الإسلام التوحيدية للأصل الإبراهيمي الحنيفي الواحد الذي تعود إليه الديانات الثلاث (اليهودية، والمسيحية، والإسلام) إذ قدم الإسلام نفسه بوصفه عودة باليهودية والمسيحية إلى هذا الأصل {وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا، قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} [البقرة/ 135] {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً مسلماً، وما كان من المشركين} [سورة آل عمران/ 67]، وقد ترتب على ذلك أن نظر الإسلام إلى الأنبياء على أنهم بالدرجة نفسها أنبياء الإسلام، ومن هنا شملت رؤيته للجغرافيا المقدسة (المباركة) المجال الجغرافي المقدس لهؤلاء الأنبياء، وأصبحت أطراف هذه الجغرافيا (مكة والمدينة والقدس)، موصولة فيما بينها إلهياً. بهذا المعنى يضع الإسلام نفسه في أول الوحي الإلهي وخاتمته في آن واحد، ولعل هذا الأصل الإبراهيمي التوحيدي المؤسس هو الذي يفسر المعتقد الإسلامي بأن إبراهيم، أبا الجميع، هو الذي أعاد مع ابنه إسماعيل بناء المسجد الحرام في مكة، وأن الله أمر يعقوب بعمارة بيت المقدس ، وكذلك سليمان، ثم يأتي الدور المحمدي ليكمل ما بناه هؤلاء ويرفع معانيه إلى حدودها القصوى، ويعني ذلك أن التصور الإسلامي للمكان المقدس (المبارك) قائم في الأصل الإبراهيمي الأول للتوحيد، ولم يكن معراج النبي (صلى الله عليه وسلم ومن ذلك من الصخرة في بيت المقدس إلى السماء إلاّ تأكيداً نهائياً للعرى المقدسة ما بين مكة والمدينةو القدس، وما بين هذه مجتمعة وبين السماء. وعلى هذه الأرض المقدسة تداخل الزمني والقدسي المطلق، على نحو خارق متجسداً في الإسراء والمعراج، ومن هنا لا تشكل القدس مجرد مكان «عزيز» أو عرضاً في الجغرافيا الإسلامية المقدسة، بل أصلاً تكوينياً فيها.

مواضيع سابقة