قدرات الدماغ

إن قدرات الدماغ لا تعتمد فقط على حجمه بل على مساحة سطحه لأسباب سنبينها فيما بعد ولذلك نجد أن أدمعة الحيوانات الكبيرة لها أسطح كثيرة التلافيف والاخاديد وهي أكثر وأعمق ما تكون في دماغ الإنسان كما هو مبين في الصورة المرفقة. إن زيادة حجم دماغ الإنسان بحيث أصبح يساوي ثلاثة أضعاف حجم أدمغة حيوانات مساوية له في الوزن ليدل دلالة قاطعة على أن الإنسان له مكانة خاصة في هذا الكون وأن خلقه قد تم من قبل العليم الخبير سبحانه وتعالى. ومما يؤكد أيضا على تميز الإنسان على غيره من الكائنات هو أن زيادة قدرات دماغه قد رافقها تعديل قدرات أعضاء أخرى مكنته من الاستفادة من قدرات هذا الدماغ الجبار كالأيدي الماهرة التي تحول الأفكار إلى أفعال واللسان الطلق الذي ينقل المعلومات التي يختزنها العقل إلى الآخرين والحواس المتطورة التي تجمع المعلومات من المحيط الذي يعيش فيه. ونظرا للدور البالغ الأهمية الذي يلعبه الجهاز العصبي في ضبط عمل جميع أعضاء أجسام الكائنات الحية وكذلك نظرا لطبيعته الهشة فقد تم حمايته بشكل بالغ الإحكام. فالدماغ محمي بعظام الجمجمة البالغة الصلابة وقد تم تغليفه بثلاث أغشية متينة يطلق عليها اسم السحايا وهي الأم الجافية وهي غشاء ليفي سميك ومتين يبطن عظام الجمجمة مباشرة والأم العنكبوتية وهي تبطن الأم الجافية والأم الحنون وهي غشاء رقيق يغلف الدماغ ويتخلل جميع تجاعيده ويملأ الحيز بين الأم الحنون والأم العنكبوتية سائل يسمى السائل المخي الشوكي وهو سائل شفاف يتم إنتاجه في بطينات أربع تقع في مركز الدماغ وتسمى البطينات المخية حيث تقوم شبكة من الشعيرات الدموية تسمى الضفيرة المشيمية بإفراز هذا السائل. وتبلغ كمية هذا السائل في دماغ الإنسان ما يقرب من 150 ملليلتر ويتم تغيير هذا السائل أربع مرات في اليوم للحفاظ على خصائصه المميزة التي تمكنه من القيام بوظائفه المختلفة. إن أحد أهم وظائف هذا السائل هو عمله كوسادة من السائل تحمي الدماغ من الارتطام بجدار الجمجمة حيث يمتص الصدمات التي تتعرض لها الجمجمة. أما الوظيفة الأهم من ذلك لهذا السائل فهي ليبقى الدماغ طافيا فيه فبدونه ستضغط كتلة الدماغ على أجزائه السفلية وتدمرها وذلك بسبب الطراوة البالغة لأنسجة الدماغ. ولا تقتصر حماية الدماغ على الأخطار الميكانيكية الخارجية بل تتعدى إلى حمايته من المواد الضارة التي تأتيه من داخل الجسم من خلال الدم فالخلايا العصبية شديدة التأثر بالمواد السامة والذي يموت منها لا يمكن أن يعوض. ولذلك فقد حماه الله سبحانه وتعالى بما يسمى حاجز الدم-الدماغ وذلك من خلال اختيار نوع الشعيرات الدموية التي تغذي خلاياه فهذه الشعيرات لها أقل نفاذية ممكنة بين جميع الشعيرات الموجودة في الجسم ولذلك فهي لا تسمح إلا لما هو ضروري لحياة الخلايا العصبية من غذاء وتطرد سوى ذلك من مواد ضارة وبكتيريا وفيروسات ولذلك فإن التهاب أنسجة الدماغ نادر الحدوث وإذا ما حدث فإن آثاره بالغة الضرر. تكون الدماغ من مادة هلامية القوام لون سطحها رمادي يميل إلى القرنفلي ولون داخلها يميل إلى الأبيض ويبلغ معدل وزنه عند الإنسان البالغ ألف وأربعمائة غرام أما معدل أبعاده فهي 16.7 سم من الأمام إلى الخلف و 14 سم من الجانب إلى الجانب و 9 سم من الأعلى إلى الأسفل. وعلى الرغم من أن وزن الدماغ لا يشكل إلا اثنان بالمائة من وزن الجسم إلا أنه يستهلك عشرين بالمائة من الطاقة التي يولدها الجسم حيث يصله ما بين 15 و 20 بالمائة من كمية الدم التي يضخها القلب إلى الجسم. والدماغ مكون من أربعة أجزاء رئيسية وهي المخ والذي يسمى الدماغ الواعي والمخ البيني وجذع المخ والمخيخ والتى تسمى الدماغ غير الواعي.

رسم يوضح أقسام الدماغ متنوعة فتبارك الله أحسن الخالقين فالمخ هو الجزء الأعلى من الدماغ وهو أكبر الأقسام حجما إذ يشكل 85 % من حجم الدماغ وهو مكون من نصفين يفصل بينهما شق طولي كبير ويرتبط النصفان ببعضهما عند المنتصف بحزمة ضخمة من الألياف العصبية تسمى الجسم الثفني ويقدر العلماء عدد هذه الألياف (المحاور) بمائتين وخمسين مليون ليف. ويتكون كل من نصفي المخ من أربعة فصوص وهي الفص الجبهي ويشكل 41 بالمائة من حجم المخ والفص الصدغي بنسبة 22 بالمائة والفص الجداري بنسبة 19 بالمائة والفص القحفي بنسبة 18 بالمائة. ويتكون المخ من طبقتين رئيسيتين وهما القشرة المخية ولب المخ فالقشرة المخية هي الطبقة السطحية للمخ وتتراوح سماكتها بين 1.5 و 4.5 ملم وتتركز فيها أجسام العصبونات ولذلك فإن لها لون رمادي. أما لب المخ فيحتوي على محاور العصبونات الموجودة في القشرة المخية والمحاور القادمة من أجزاء الدماغ الأخرى إلى القشرة المخية وهي ذات لون أبيض بسبب أن معظم هذه المحاور مغلفة بطبقة المايلين ذات اللون الأبيض. ويوجد في لب المخ عدد من العقد العصبية التي ترتبط بالقشرة المخية وببقية أجزاء الدماغ. والقشرة المخية لها سطح كثير التجاعيد يحتوي على أخاديد وتلافيف كثيرة تعمل على زيادة مساحة سطحها إلى عدة أضعاف مساحتها فيما لو بقيت بدون هذه الأخاديد وذلك لحكمة بالغة تتضح من خلال الشرح التالي. إن زيادة عدد الخلايا العصبية في الدماغ لا يمكن أن يتم من خلال زيادة حجمه فقط وذلك لأن ربط الألياف العصبية القادمة من مختلف أجزاء الجسم بالخلايا العصبية في طبقات الدماغ الداخلية ستزيد من تعقيد تصميمه ولذلك كان من الأسهل أن يتم توزيع أجسام الخلايا العصبية على سطح الدماغ وترك داخله لمرور حزم الألياف العصبية التي تربط بين مناطق الدماغ المختلفة وبين أعضاء الجسم. وهذه المشكلة هي نفسها التي واجهها مهندسو الإلكترونيات عند تصميمهم لمعالجات وذاكرات الحواسيب التي تحتوي على ملايين الترانزستورات فكان الحل من خلال بناء الدوائر الإلكترونية على أسطح شذرات المواد شبه الموصلة في طبقة واحدة في بداية الأمر وعلى عدة طبقات في الأنواع الحديثة. ولو تطلب الأمر بناء مكونات الدماغ على شكل دوائر إلكترونية بحيث يقوم الترانزستور مقام الخلية العصبية لبلغت مساحة السطح الذي تحتله على الرقائق الإلكترونية أكثر من ألف متر مربع ولكن بما أن الخلية العصبية تحتل حيزا أقل من الترانزستور وتقوم بوظائف أكثر تعقيداً من الوظيفة الوحيدة التي يقوم بها الترانزستور فإن المساحة التي يتطلبها بناء الدماغ باستخدام الخلايا العصبية قد تم تقليصها إلى أقل من متر مربع وذلك من خلال طريقتين فريدتين. ففي الطريقة الأولى تم توزيع العصبونات على ستة طبقات في القشرة المخية بدلا من طبقة واحدة وبهذا تم تخفيض المساحة إلى السدس. أما الطريقة الثانية فهي من خلال عمل أخاديد وتلافيف كثيرة وعميقة في القشرة المخية وكذلك في المخيخ بحيث بقى حجم الدماغ ثابتا مع زيادة مساحة سطحه عدة مرات عن حاله فيما لو كان على شكل كرة ملساء. إن نصف قطر جمجمة الإنسان لا يتجاوز العشرة سنتيمترات وعليه فإن المساحة السطحية للدماغ فيما لو كان على شكل كرة ملساء لن يتجاوز الألف سنتيمتر مربع وهذا أقل بكثير من المساحة المطلوبة. ومن عجائب الدماغ التي أدهشت العلماء أنه يستهلك من الطاقة ما بين عشرين وثلاثين واط فقط أي ما يكفي لتشغيل مصباح كهربائي صغير الحجم ولو أن الخلية العصبية تستهلك من الطاقة ما يستهلكه الترانزستور الموجود في أحدث المعالجات الدقيقة لبلغت كمية الطاقة التي يحتاجها الدماغ لتشغيله ما يقرب من مائتي كيلواط وهي طاقة تكفي لتشغيل سيارة كبيرة الحجم.

مواضيع سابقة