أولوية العلم في العالم العربي


‎لا يشك أحد في أن حالة العرب العلمية متأخرة جدا اليوم، فالفارق بيننا وبين العالم الشرقي والغربي يتسع مع مرور الوقت، والوقت ليس من صالحنا، لا لأننا غير قادرين على التقدم، ولكن لأننا لا نرى أي أولوية للعلم. وهذا ينطبق ليس فقط على مستوى الحكومات في العموم بل حتى على مستوى الشركات وأفراد المجتمع من باحثين وغيرهم. وكثيرا ما يتردد أن الحكومات العربية لا تصرف من ميزانياتها على العلم إلا الشيء اليسير، وهذا أمر مسلم به ومتفق عليه، فالولايات المتحدة تتصدر قائمة الصرف على العلم، فهي تخصص مئات المليارات من الدولار للبحث العلمي سنويا، تليها الصين ثم الدول الأوروبية، وروسيا وهكذا، ثم تأتي الدول العربية والخليجية (رغم وفرة المال لديها) على استحياء في منتصف القائمة لتتراكم معظمها في نهايتها. وبدلا من أن نكرر إلقاء اللوم على الحكومات أو حتى الشركات، التي لا تساهم أيضا في الصرف على البحث والتطوير بما يتناسب مع العصر، سنوجه إصبع الاتهام إلى المجتمع كله ومن ضمنه الباحثون، فهم أيضا مشاركون في تأخر حركة العلم في العالم العربي. فالحكومات إن أرادت أن تصرف المال على العلم، فلا بد أن يكون أفراد المجتمع مؤهلين لكي يحركوه في جهته. ففي كل عام يتم تخريج عدد لا بأس به من حملة الدكتوراة بعد أن قضوا عدة سنوات في البحث العلمي بتفرغ كامل في الدول الغربية، وبعد إنتاجهم لأبحاث لا بأس بها، لكنهم يفقدون الاهتمام بالبحث بعد عودتهم مباشرة إلى بلدانهم. وبالطبع فإن البيئة المحيطة بهم تضعف اندفاعهم لإكمال مسيرتهم البحثية، لذا نجدهم قد تخلوا عن العلم ليتفرغوا إلى أمور جانبية لا تمت له بأي صلة. لوم.. وفي هذه الحالة أيضا يلقي الباحثون اللوم على الحكومات لتقصيرها في خلق البيئة المناسبة، متناسين أنهم في أعلى مستويات السلم العلمي، وأنهم هم أيضا مسؤولون عن خلق تلك البيئة البحثية لأنفسهم. وإن قام الباحث بنشر الأوراق العلمية فإن ذلك يرجع إلى رغبته في الحصول على الترقية الوظيفية، وهي وإن لم تكن عيبا في حد ذاتها، إلا أن التركيز على الحصول عليها بغض النظر عن الناتج العلمي لن يرفع مستوى العلم نوعيا بل كميا، ولن ينتج من هذه الأبحاث علماء يستحقون هذا اللقب الرفيع. وإن رجعنا إلى أصل المشكلة نعود إلى المجتمع كله، فهو لا يضع أي أولوية للعلم على جميع الأصعدة، فلا هو من ضمن ثقافته، ولا هو من ضمن أدبياته، ولا هو من ضمن برامجه، ولا هو من ضمن لغته الاعتيادية، الناس تثق بالعلم عمليا وتطبيقيا حينما تستخدم منتجاته، ولكنها تعيش حالة انفصام في ثقافتها تجاهه. ولكارل سيغان مقولة تتناسب مع هذه الحالة، يقول فيها: "نحن نعيش في مجتمع يعتمد على العلم والتكنولوجيا

مواضيع سابقة