• لؤلؤه

سبع درجات للإضطراب ثنائي القطب..


حسناً،. ظدعنا نبدأ بالقول إنه لا يمكن بسهولة أن نتفهم ما يعنيه الأمر أن تكون مصابا باضطراب مزاجي...

كالاكتئاب.. أو ثنائي القطب مثلا.. إلا إذا كنت مصابا به،.. قد نحاول ربط ذلك بتراوحات مزاجية ما بين السعادة والحزن،... لكن الأمر دائما أعقد كثيرا،.. كثيرا،... مما نتصور،..

تخيل مثلا1 أنك تقود سيّارة،.. هذه السيّارة،... بسبب عطل ما،.. لا تسير على الطريق بشكل منتظم،.. وإنما تسير لمدة محددة بسرعة 140 كيلومترا بالساعة،... ثم لمدة أخرى تسير بسرعة 30 مترا بالساعة،... في أثناء سفرك من القاهرة إلى الإسكندرية مثلا..

بالتأكيد سوف تتوتر،.. ويصيبك الخوف من حوادث كثيرة ممكنة،... لكن ماذا لو كانت هذه السيارة هي دماغك؟.. هكذا يكون الأمر،.. بشكل قريب ومبسط،..

كمثال لما يشعر به مريض الاضطراب ثنائي القطب تجاه ذاته،... خاصة وهو يعرف أنه بانتظار نوبة قريبة من المزاج المكتئب التعيس البطيء،.. والذي يأتي مترافقا مع طاقة منخفضة تجاه فعل أي شيء،.. لتتبادل تلك مع حالة أخرى (الهوَس).. يبتهج مزاجه فيها بدرجة غير طبيعية،.. وينام عددا قليلا من الساعات،... ويمتلئ بالطاقة والرغبة في الفعل بصورة تتجاوز الحد الطبيعي،... وتملأ الأفكار دماغه لينعكس ذلك على حديثه في أكثر من موضوع بنفس الوقت..

آليات متعددة

في الحقيقة،...

ليس موضوعنا في هذا التقرير أن نتحدث عن الاضطراب ثنائي القطب نفسه،... ولتحقيق فهم أفضل للحالة يمكن مراجعة مقال سابق للكاتب بعنوان..

"التقلب بين الاكتئاب والخوف:...

كيف نفهم الاضطراب ثنائي القطب؟"،..

لكن موضوعنا هو ورقة بحثية مثيرة للانتباه نُشرت قبل عدة أيام في... "الجورنال الدولي للوبائيات"2 (International journal of epidemiology)،..

أجراها فريق عمل من جامعة ميتشجين على مدى 12 سنة كاملة،.. في محاولة لرصد الآليات الأساسية التي يُبنى عليها هذا المرض الذي يصيب أكثر من 60 مليون فرد حول العالم....

ربما هنا قد نتساءل عن سر طول تلك المدة الكبير جدا بالنسبة لدراسة واحدة،... وهو ما يلفت الانتباه إلى أهميتها،.. وإلى آلية عملها كذلك،..

حيث تعمل الدراسة على مقارنة تطور حالات الاضطراب ثنائي القطب،... على مدى زمني واسع،... ضمن بيئة تم التحكم فيها صحيا،.. كذلك يحتاج الأمر إلى مدة زمنية طويلة لدراسة الأسباب الاجتماعية والنفسية.. التي تتسبب بحدوث هذا المرض بجانب أسبابه البيولوجية،.. والجينية،.. والطبية،... تلك التي تحتاج إلى العديد من التأكيدات على نتائجها،.. وذلك يعتبر مقبولا جدا،... خاصة حينما تعرف أنه على الرغم من التقدم الذي أحرزناه... فإننا لا نمتلك بعد بحثا تشخيصيا أساسيا مقبولا....

بالطبع... هناك الكثير من التأكيدات على علاقات وراثية،... فنحن نرى أن الاكتئاب ثنائي القطب قد يجري في عائلات بعينها دون غيرها،... خاصة أننا الآن نعرف أن هناك 12 موضعا جينيا يُقترح أن لهم علاقة بالاضطراب ثنائي القطب،... لكن كذلك فإن هناك أبحاثا أخرى تربط الاضطراب ثنائي القطب بالوراثة فوق الجينية 3 (Epigenetics)،..

ما يعني قدرة على تمرير الاضطراب ثنائي القطب مع الجينات... حتى وإن لم يكن موروثا من الآباء،..

لكن في النهاية فإن سر قوة تلك الدراسة ينبع من تطبيقها لفكرة مختلفة،..

وهي "تعدد الأسباب"...

حيث يظهر لنا في النهاية أن الاضطراب ثنائي القطب ليس مرضا بسيطا،... بالتالي.... فإن آليات البحث خلف أسبابه يجب أن تكون على نفس الدرجة من التعقيد،.... في الحقيقة كان أول من تحدث في تلك الفكرة4.. هو النفساني الشهير أدولف ماير في الأربعينيات،..

والذي قال إن كل شخص هو تجربة خاصة للطبيعة،...

بذلك فإن الدراسة تجمع بين عدة حالات متداخلة معا،... تؤثر في بعضها البعض،.. ويمكن لبعضها أو جميعها أن تكون بدرجات متشابهة أو متفاوتة سببا للاضطراب ثنائي القطب...

التجربة 1111 شخصا منهم 731 مصابين بالاضطراب ثنائي القطب،... بتعدد أنواعه،.. ثم تم تقسيم المرضى إلى مجموعة من سبع فئات... يفترض أنها تحمل أسبابا مختلفة للإصابة بالاضطراب ثنائي القطب،.. تبدأ تلك المجموعة بالفئة الأولى صاحبة الأسباب البيولوجية للمرض،..

ويقصد بها آليات عمل جينية أو فيسيولوجية.. لها علاقة بالمرض مع متابعات لتطور النوبات المتعلقة بتلك الآليات خلال عامين كاملين،..

ثم بعد ذلك يقف الاعتماد النفسي على النيكوتين والكحوليات ... ممثلا لمجموعة ثانية من المصابين بالاضطراب ثنائي القطب،.. بعد ذلك تتدخل الخبرة الحياتية كمركز لفئة ثالثة..

ونشير بفكرة الخبرة الحياتية هنا إلى إصابات الطفولة مثلا،.. أو مشكلات في التربية،... العلاقات الحميمة مع الآخرين،....

من جهة أخرى تظهر الفئة الرابعة في طباع الشخص المريض نفسه،... كون الشخصية انبساطية أو انطوائية،.. عصابية،.. منفتحة أو منغلقة على الخبرات الجديدة،.. مندفعة وعدائية،.. بعد ذلك نضع في الفئة الخامسة مجموعة قد يرتبط المرض معها بأسباب عصبية إدراكية... تتعلق بالقدرات الفكرية والمنطقية،..

الذاكرة السمعية،.. والبصرية،.. واللفظية،.. القدرة على التعلم،...معالجة العواطف،.. والوظائف الحركية الدقيقة،.. ومتابعة ذلك كله على مدى زمني واسع لإيجاد علاقة مع الاضطراب ثنائي القطب..

وفي الفئة السادسة... يرصد الباحثون العلاقة بين نمط النوم، الساعة البيولوجية الخاصة بالمريض

وثنائي القطب،.. وكانت دراسات سابقة قد ربطت بين الجينات المسؤولة عن الساعة البيولوجية في جسم الإنسان.. وعودة نوبات ثنائي القطب في الكثير من المرضى،..

ثم أخيرا في الفئة السابعة... تختص بدراسة نوبات المرض والاستجابة للأدوية الخاصة بثنائي القطب،..

وتحسّن نمط الحياة مع العلاج،...

كذلك ترافق الاكتئاب ثنائي القطب بأمراض أخرى..

هنا جاءت النتائج لتظهر علاقة معقدة بين ثنائي القطب... والعديد من العوامل المتوقعة وغير المتوقعة،.. الصداع النصفي مثلا،...

نجد أنه يتمثّل بنسبة أعلى من الطبيعي في ثنائي القطب،.. كذلك فإن هناك ارتباطا واضحا بين القلق،..

إدمان الكحوليات،.. طمشكلات الطفولة،.. ضعف درجة التنوع في البكتيريا المعدية الطبيعية،.. واضطرابات الطعام مع الاضطراب ثنائي القطب،.. مع تمثيل عالٍ كذلك في الإناث دون الذكور..

من جهة أخرى رصدت التجربة ارتباطا بين الحميات7 الغذائية.. التي تحتوي على دهون مشبعة بشكل كبير والاضطراب ثنائي القطب،.. وكذلك علاقة واضحة بين اضطرابات النوم وشدة نوبات الاكتئاب،..

خاصة في النساء،..

أما في الرجال فكان الأكثر ارتباطا مع شدة النوبات.. هو الميل إلى العدائية والعنف السلوكي،... مع انخفاض عام في القدرات العصبية الإدراكية، كالذاكرة،.. والقدرات على أداء الوظائف الطبيعية..

كذلك وجدت تلك الدراسة علاقة واضحة بين الاضطراب ثنائي القطب وجينين يسميان (CACNA1C) و (ANK3)،.. وفي كل الأحوال فقد رصدت الدراسة علاقة جينية بالاكتئاب ثنائي القطب في المجموعات السبعة،...

وكانت الخلايا التي عملت الدراسة عليها مخلّقة من خلايا جذعية.. خاصة بمرضى الاضطراب ثنائي القطب،.. وأثبتت التجربة درجات استثارة أعلى في الخلايا العصبية التي تم تخليقها.

منقول...

  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon

©2017 BY ANFAS-ALROUH. PROUDLY CREATED WITH WIX.COM