• جمال التميمي

علاقه الانسان بالمخلوقات المحبطه به

علاقة الإنسان بالمخلوقات المحيطة به

لا شكَّ أن كل المخلوقات ضيوف أتَوْا إلى الوجود تباعًا حسب صدور الأمر الإلهي (كن)، وسيرحلون إلى عالم الفناء إن عاجلاً أو آجلاً، وكلُّ شيء هالك إلا وجه الله - سبحانه - والدلائل كلُّها تثبت أن الإنسان كان آخر الضيوف وصولاً إلى الوجود، ومع هذا الحضور المتأخِّر إلاَّ أنه سيكون أوَّل الضيوف رحيلاً، ناهيك عن الرحيل فُرَادَى وجماعات منذ القدم.

وفي توزيع الأدوار على الضيوف أو الكائنات، أخذت بعض الكائنات على عاتقها مهمَّة إمداد الباقين بمتطلَّبات البقاء والاستمرار في الوجود إلى أن يرث الله كلَّ شيء، وأصبحت الجمادات؛ من أرض وماء، وشمس وهواء، ونجوم وما شاكلها، أصبحت عواملَ مساعدة لإنتاج متطلَّبات البقاء، وتصدَّر النباتُ مهمَّة الإنتاج باستخدام العوامل المساعدة تلقائيًّا لإعداد ضرورات الحياة من أوكسجين أو غذاء للحيوان ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [النمل: 88].

وبذلك تمَّ تصنيف الكائنات بين كائنات منتِجَة وكائنات مستهلكة، واعتُبِر النبات كائنًا منتجًا، والحيوان كائنًا مستهلكًا.

وتمَّ تصنيف الإنسان على أنه مستهلك شرس؛ لأنه مستهلك مباشر للكائنات المنتِجَة، وأيضًا يلتهم الكائنات الأخرى المستهلكة أيضًا، فالإنسان يحصل على طعامه مباشرة من النبات المنتج مثله مثل كل الحيوان، ويتعدَّى الإنسان ليستهلك منتجات الحيوان، ثم يستهلك الحيوان نفسه.

وهكذا أصبح للإنسان صلة مباشرة بكلِّ الأطراف، سواء كانت عوامل مساعدة، أو نباتًا، أو حيوانًا، واللهُ - سبحانه - يقرِّر ذلك بأنَّه خلَق الأشياء كلها لك أيها الإنسان، كما جاء في الحديث القدسي، ويقول - تعالى - في محكم تنزيله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الدخان: 38، 39].

وهذه هي قشور المعرفة التي رأينا أنها ضرورية كمقدمة لإلقاء الضوء على علاقة الإنسان بالمخلوقات المحيطة، وتفاصيل المعرفة عند أهل العلم المتخصِّصين كل في مجاله؛ حيث ينحصر كلامنا عن أسس العلاقات التي بين الإنسان والمخلوقات المحيطة به.

أولاً: مع الجماد:

بدأت علاقة الإنسان بالجماد من أوَّل نزول سيدنا آدم - عليه السلام - إلى الأرض، سواء كانت هذه الجمادات من الأرض كالجبال والأنهار، أو من خارج الأرض كالشمس والقمر والنجوم، أو ظواهر طبيعية كالرياح والرعد والبرق.

والجمادات المحيطة بنا والمؤثِّرة فينا أغلبها عن بُعد، مثل الشمس والقمر والنجوم، وكلها مسبِّحات وساجدات، حتى الظواهر الطبيعية المسخَّرة علاقتها بنا غير مباشرة، وفي حالات محدودة كانت لها علاقات مباشرة؛ كما في قصة سيدنا سليمان - عليه السلام - الذي كانت له الريح تجري بأمره، وكلها أيضًا مسبحات.

أمَّا الأرض وما عليها - وخصوصًا الجبال - فعلاقتها وتأثيرها فينا مباشر وعن قرب، قال - تعالى -: ﴿ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾ [النازعات: 32، 33].

ولأن الجبال خُلِقت من تراب الأرض، ونحن - بني البشر - خُلِقنا من تراب الأرض، معنى ذلك أن أصلنا واحد، وهذا الكلام ينسحب أيضًا على النبات والحيوان؛ لأنها جميعًا تشترك معنا في أصل التكوين (التراب)، قال أحد الشعراء:

أُمُّنَا الأَرْضُ أَنْبَتَتْنَا جَمِيعًا لَيْسَ مِنَّا مَنْ يَنْتَمِي لِلسَّمَاءِ

والمعروف أن كلَّ شيءٍ يعود إلى أصله، إن عاجلاً أو آجلاً، فالجبال في النهاية تعود إلى أصلها؛ التراب: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ﴾ [طه: 105، 106].

ويعود النبات إلى أصله عند نهايته: ﴿ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ﴾ [الكهف: 45]، وتعود الحيوانات إلى أصلها؛ تكون ترابًا.

ويتمنَّى الإنسان الكافر يوم القيامة لو أنه عاد إلى أصله: ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴾ [النبأ: 40].

إذًا هي علاقة مرحلية بين الإنسان والمخلوقات المحيطة به من جماد ونبات وحيوان، تبدأ مع الإنسان في بدايته، وتنتهي معه في نهايته، سواء عند الموت أو يوم القيامة، وهي ليست كعلاقة الإنسان مع الملائكة؛ لأنها بدأت منذ الأزل، وتستمرُّ إلى الأبد.

وحينما تكلَّم الله - سبحانه - عن العلماء الذين يخشون الله، لم يغفل علماء طبقات الأرض (علماء الجماد)؛ بل تعرَّض لعلم الجماد بتفصيلٍ لم يتناول به بقية العلوم المذكورة في هذه الآية بالذات، يقول - تعالى -: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ [فاطر: 27، 28].

فهذه الآيات تتكلَّم عن الكثير من العلوم في إيجاز تامٍّ:

عن علم النبات: ﴿ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ﴾.

وعن علم الأجناس كلمة واحدة: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ ﴾.

ثم عن علم الحشرات: ﴿ وَالدَّوَابِّ ﴾.

ثم علم الحيوان: ﴿ وَالأَنْعَامِ ﴾.

إلاَّ أنه تكلَّم عن الجماد أو علم الجماد بتفصيل، وبالذات عن الجبال: ﴿ وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴾، وأيضًا قال - تعالى -: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 74].

وفي الكلام عن الجماد يكون التركيز على الجبال؛ لأنها دائمًا محط الأنظار عند التفكُّر: ﴿ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴾ [الغاشية: 19]؛ كرمزٍ لكلِّ الجمادات من ناحية، ثم لتلك الصلة الوثيقة بيننا وبينها على مدار التاريخ.

فقد رُوِي أن نزول أُمِّنا حواء إلى الأرض كان عند جبل عرفات، أو التقتْ بسيدنا آدم - عليه السلام - فوقه، أو انتظرتْه هناك.

وبعد ذلك بزمانٍ لا يعلمه إلا الله، كان طوفان نوح - عليه السلام - وعندما أخذ سيدنا نوح - عليه السلام - المؤمنين معه في السفينة، انشقَّ عنه ابنُه الضالُّ، ورفض أن يأوي إلى حيث أمر الله وقال: ﴿ قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ﴾ [هود: 43]، ثم بعد أن قضى الله أمرًا كان مفعولاً، وبلعت الأرض ماءها، وأقلعت السماء، رسَت السفينة فوق جبل الجودي، وحتى أمواج الطوفان كانت كالجبال.

وفي قصة ثمود قوم سيدنا صالح - عليه السلام - كانت حياتهم في بيوتٍ فوق الجبال منحوتة، وعندما عقروا ناقة الله وكان معها وليدها، جرى الوليد واحتمى بجبل ودخل فيه لاجئًا إلى الجبل من بطش الإنسان، كما أن أصحاب الحِجْر كانوا يلجؤون إلى الجبال؛ خوفًا من ظواهر الطبيعة: ﴿ وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ ﴾ [الحجر: 82].

ثم سيدنا إبراهيم - عليه السلام - في مناظرته مع قومه الذين يعبدون الأصنام، استدرجهم من مرحلة إلى مرحلة، فلمَّا رأى كوكبًا قال: هذا ربي، ثم لما رأى القمر قال: هذا ربي، ثم لما طلعت الشمس بازغة، وفي كل مرة يفنِّد الرأي بقوله: ﴿ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ [الأنعام: 76]؛ ليثبت لهم ضلال فكرهم في عبادة الأوثان.

وهذا دليلٌ على أن سيدنا إبراهيم وجَد العلاقة بين قومه وبين هذه الجمادات قد أخَذتْ أكثر مما ينبغي، وتشكَّلت بصورة مرفوضة إلى علاقة إجلال، وتحوَّلت إلى علاقة تعبُّدية، أراد سيدنا إبراهيم أن يعيد العلاقة إلى إطارها الصحيح.

وعندما أراد سيدنا إبراهيم أن يطمئن قلبه بقدرة الله المطلقة في إحياء الموتى، قال: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ﴾ [البقرة: 260]، كانت طمأنينته أن يقطع الطيور الأربعة إلى أربعة أجزاء، ثم يضع على كلِّ جبل منها جزءًا، ثم بقية القصة.

وسيدنا موسى - عليه السلام - كانت له علاقات فريدة مع الجمادات، سواء كانت العصا، أو البحر، أو الصخر، وكذلك مع الجبل؛ ففي رحلة العودة بأهله من أرض مدين إلى أرض مصر وجد هدايته تطلُّ عليه من فوق جبل الطور: ﴿ إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ﴾ [طه: 10].

ثم في رحلته التالية عند خروجه من مصر بقومه هربًا من بطش فرعون، ذهب لميقات ربِّه إلى الجبل نفسه (جبل الطور)، وتلقَّى الوحي عليه، كما أخذ العِبرة والعظة من الجبل حينما طلب من الله أن يمكِّنه من النظر إليه - سبحانه -: ﴿ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ ﴾[الأعراف: 143].

ثم علاقة من نوع خاص، وغير قابلة للتكرار بين سيدنا سليمان - عليه السلام - وبعض الجمادات من ظواهر طبيعية، وأصبح له جنود من الجن والطير والوحوش، وتفاهم مع الحشرات، وذلك ليس مجال البحث، ولكنها علاقات.

ورسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بدأت رسالته من داخل مغارة فوق جبل حراء، عندما أتاه جبريل - عليه السلام - وقال له: اقرأ، وعندما تعرَّض للإيذاء من كفار الطائف أتاه ملك الجبال بإذنٍ من ربه، ومن قبلُ عندما جهر بالدعوة من فوق جبل في مكة وقال للناس: ((إني رسول الله إليكم بين يدي عذاب شديد))، ثم عندما هاجَر هو وصاحبه بدأ الهجرة من مكة، ولجأ أولاً إلى جبل ثور في غار به ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ ﴾ [التوبة: 40]، وفي الحديث أنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أُحُدٌ جبل يحبُّنا ونحبه)).

وأصبح من مناسك الحج التي أخذناها عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الوقوفُ بجبل عرفات، والسعي بين جبل الصفا وجبل المروة، ثم مع باقي الجمادات: رجم صخرة (رمي الجمرات)، ثم إلقاء السلام على صخرة (الحجر الأسود).

كل هذه الأمور نمرُّ عليها مرور الكرام دون تفكُّر أو تدبُّر، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ [يوسف: 105]، ويقول - تعالى -: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ﴾ [النمل: 88].

إذًا المسألة أكبر من كونها جمادات، ولم تخلق لعبًا، فما هو الأمر؟

يقول - تعالى - في محكم التنزيل: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 29].

وعندما قال - سبحانه وتعالى - في سورة الحشر: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الحشر: 21].

عندها نظر الجميع إلى الفاعل - سبحانه وتعالى - وقدرته، ونظروا إلى المنزَّل من عند الله، وهو (القرآن الكريم)، وتأمَّلوا في عظمة هذا القرآن، ولم يلتفت أحدٌ إلى الطرف الثالث أو إلى المفعول فيه، وهو (الجبل)، مع أنه جدير بهذه اللفتة؛ لأن القرآن - وهو كلام الله - نزل على قلب سيد البشر - صلَّى الله عليه وسلَّم - بدليل قوله - تعالى -: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾ [الشعراء: 193، 194]، فبالتالي لو أنزل القرآن على جبل هل سينزل على هيكله أم على قلبه؟ وهل للجبال قلوب؟

وعندما قال - سبحانه وتعالى - في قصة سيدنا داود: ﴿ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ ﴾ [ص: 18]، ﴿ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ﴾ [سبأ: 10]، ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ﴾ [الأنبياء: 79].

هذه الآيات تدلُّ على أن الجبال تسبِّح، هكذا بصريح الآية ودون تأويل أو تفسير، وقد اعتدنا أن التسبيح يكون باللسان، فكيف تسبح الجبال؟ وهل للجبال ألسنة؟

ويقول - تعالى - في بني إسرائيل الذين زعموا أن المسيح ابن الله: ﴿ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴾ [مريم: 90، 91].

وتأمَّل هذه الآية، سماء تتفطر وتنقطع أسفًا، وأرض تتشقَّق وتتقلَّص وتتذلل خجلاً، وجبال تخرُّ وتتصدَّع، والإنسان لا يبالي، فهل شعرَتِ الجبالُ بضلال بني الإنسان؟ وكيف علمتْ؟

ويقول - تعالى - في آية جامعة شاملة: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ﴾ [الحج: 18].

لقد تكلَّمت الآية عن سبع عوالم ساجدة لله - تعالى - طوعًا أو كرهًا، أربعة من هذه العوالم من الجمادات على سبيل الرمز، والخامسة من النبات، والسادسة من الحيوان، والسابعة والأخيرة من عالم الإنس، كلُّ هذه العوالم الساجدة من عالم الشهادة، أمَّا المخلوقات الساجدة لجلال الله - سبحانه - من عالم الغيب في السموات والأرض، فالله أعلم بهم، والآية أشارت إليها فقط ضمنًا.

فالكلُّ من حولنا مخلوقات ساجدة، الشمس بنورها، والقمر بنوره، والنجوم في ارتفاعها، كلها ساجدة، ثم الجبال كذلك والشجر والدواب، نراها أمامنا ولا نشعر بشيء إلا إذا تعلَّمنا شيئًا من علاَّم الغيوب، ومهما نتعلَّم فلا ولن نحيط بشيء من علمه إلا بما شاء - سبحانه - وإذا كان سجودنا نحن بني البشر هو أن نضع جباهنا ووجوهنا على الأرض؛ تعظيمًا وإجلالاً لله - سبحانه - فكيف تسجد هذه المخلوقات؟ وفي بدء الخليقة حينما عرض الله - سبحانه وتعالى - الأمانة على السموات والأرض والجبال، وأشفقن من حملها، أدركتِ الجبال ما لم يدركْه الإنسان من صعوبة حمل الأمانة، فهل هي أعقل منَّا نحن؟

إذًا لم يبقَ لنا إلا أن نخشع لربنا ونسبح بحمده، ولا نؤذي مَن حولنا من مخلوقات، نسجد لله ونردِّد قوله - تعالى -: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114].

وكلَّما كانت الزيادة طلبنا المزيد، وكلما ازددنا علمًا علينا أن نزداد تواضعًا وإيمانًا بالله، وكلَّما استعرضنا علومنا يجب علينا أن نتذكَّر قوله - تعالى -: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ [الإسراء: 85].

وهكذا يجب علينا أن نتدبَّر الكائنات من حولنا؛ لنزداد إيمانًا، فكلُّ الأشياء تنطق بلسان حالها ما نفهمه، وتنطق بلسان مقالها ما لا نفهمه: ﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ [الذاريات: 20].

ولذلك يجب على الإنسان ألاَّ يكون سطحيًّا في التعامل والتفاعل مع الجمادات، فقد وردت آية توضِّح لنا كيف أن جدارًا كان مكلَّفًا من دون الناس بحماية كنز الأيتام حتى يبلغوا أشدَّهم بأمر الله - سبحانه - ولما تقادم الجدار، وأوشك على الانهيار قبل أن يكبر الأيتام ويبلغوا أشدهم، وكأنما ناجَى ربَّه - ولِمَ لا؟ - فأرسل الله مَن يقيمه مرة ثانية؛ ليمتدَّ به الزمان حتى يؤدي رسالته على أكمل وجه، وهذا بعض ما جاء في مدلولات قوله - تعالى -: ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾ [الكهف: 82].

ويبدو أن الجدار كان أكثر أمنًا من الإنسان في ذلك الزمان وفي تلك المدينة، ولا أقول في كلِّ الأزمان وكل الأماكن؛ تأدُّبًا، وصلاح الأب كان كفيلاً وسببًا كافيًا لتنفعل الجمادات - بإذن الله - لصالح الأيتام.

وعلينا أن نقابل كلَّ النعم بالشكر والعرفان؛ فإنه بالشكر تدوم النعم، وبالإعراض تزول، ويكفينا ما نرى ونسمع من تصحُّر وجفاف، وما يُقال عن أن حزام المطر الذي يتكوَّن منه الأنهار بدأ يتحرك إلى نصف الكرة الجنوبي، وحيث إنَّ اليابسة التي عليها الحياة كلها تقريبًا في نصف الكرة الأرضية الشمالي، فمعنى ذلك أن الأمطار ستصبُّ في المحيطات، وسبحان القادر على كل شيء وهو يقول: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴾ [الملك: 30].

ويكفينا أيضًا ما يؤكِّده العلماء من خطورة ذلك الثقب الموجود في الغلاف الجوي للأرض؛ حيث ينفذ من خلال هذا الثقبِ إشعاعاتٌ شمسية تحلِّل الماء العذب وتجعله مالحًا، ويأتي ذلك في نفس الوقت الذي يكثر فيه الجدل عن الأمطار الصناعية، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ ﴾ [الواقعة: 68 - 70].

ونسأل الله أن يجعلنا من المؤمنين الذاكرين، الذين يتَّعظون بالأحداث التي تدور حولهم، ويتفكَّرون في خلق السموات والأرض، سبحانك يا ربنا، نعم، ما خلقت هذا باطلاً، فهلاَّ تأدَّبنا في نظرتنا إلى الجماد.

وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء: 44].

اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.

ثانيًا: مع النبات:

يقول - تعالى -: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾ [عبس: 24 - 32].

سبحانه وتعالى يوجِّه نظرنا إلى المسائل المهمَّة التي قد لا نلتفت إليها، فعندما تكلَّم عن الجبال قال - تعالى -: ﴿ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾ [النازعات: 32، 33].

وفي السورة التي بعدها مباشرة في المصحف، تكلم عن النبات وقال أيضًا: ﴿ مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾ [عبس: 32].

نعم، فالخالق - جلَّت قدرته - كلَّف الإنسان بالخلافة، وعندما تصدَّر الإنسان وحمل الأمانة التي أشفقت من حملها السموات والأرض والجبال، لم يتركه لنفسه، ولكنه أعطاه كلَّ المؤهلات التي تُعِينه على القيام بالمهمة خيرَ قيام، وحتى لا يأتي أحد يوم الحساب ويقول: يا رب، كلَّفتني ما لا أطيق؛ سخَّر الله - سبحانه - الأرض للإنسان ﴿ وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴾ [الرحمن: 10] بكل ما فيها وما عليها، وأنزل الله من السماء ماءً بقدر وأسكنه في الأرض، والإنسان لا يستطيع أن يزعم أنه قادر على التحكُّم في الأرض بقدرته الشخصية، ولا أن ينزِّل الماء بعلومه البشرية، ولكنَّها قدرة الله المطلقة وتسخير الله.

ونظرة عميقة إلى الطعام بين يديك كافيةٌ لتقودك إلى الحقيقة التي نتعامَى عنها، فلا يوجد في الدنيا نبات شيطاني كما يقول البعض، ولكن كل ما على الأرض نبات إلهي، حتى لو أسهمت فيه ببعض الجهد في الحرث والبذر والري.

والعلاقة بين الإنسان والنبات من الناحية المادية عطاء وأخذ، تزرع وتحصد، تحرث الأرض التي ذلَّلها الله لك، وتضع البذر الذي خلقه الله، وترويها بالماء الذي أنزله الله، وبعد ذلك تنتظر الإنبات بأمر الله وحده، وعلى قدر جهدك في التعامُل مع ما سخَّر الله تجني ما زرعه الله، بصرف النظر عن صلتك بالله.

إذًا العلاقة المادية بين الإنسان والنبات قائمة بشكل أو بآخر، ولكن الإنسان ليس مادة فقط لتنحصر علاقاته في المسائل المادية فقط، فأين الجانب الروحي في هذه العلاقات؟

فالله - سبحانه وتعالى - يتناول كثيرًا من صفات الناس ويشبِّهها بالنبات أو بصفات في النبات، وعلى سبيل المثال الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة، والكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة، وفي خصال أهل الإيمان: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ﴾ [البقرة: 261].

وعندما تعرَّض الله - سبحانه - لأحوال عموم الناس قال: ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا ﴾ [الأعراف: 58]، كما شبَّه - سبحانه - الحياة الدنيا كلها كماء أنزله من السماء ﴿ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ﴾ [الكهف: 45]، وشبَّه إيجاد بني آدم في الحياة بالإنبات، فقال - تعالى -: ﴿ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ﴾ [نوح: 17، 18].

وفي مواضع كثيرة نجد أن الله - سبحانه - يجعل النبات مذكورًا قبل الإنسان في أمورٍ مختلفة؛ ففي توجيه الله للنحل للبحث عن حياة آمِنة أوحى إليها: ﴿ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ [النحل: 68]، فالمكان الآمِن الذي يستطيع أن يعيش فيه مجتمع النحل المخلوق لنفع الإنسان، هو الجبال، فالجبال أحرص وآمَنُ، فإذا أراد النحل أن يتحرَّك إلى الوديان، فالبديل المناسب هو أن يتَّخذ بيته من الأشجار، أمَّا إذا اضطرتْه الظروف من واقع أنها مسخَّرة ومخلوقة لنفع الإنسان، وأرادت أن تترك أمن الجبال والشجر، فلا مانع من أن تلجأ إلى ما يعرشه لها الإنسان كمرحلة أخيرة، وهذا هو ترتيب الآية.

وأيضًا عندما تكلَّم الله - سبحانه - عن المخلوقات الساجدة لجلاله، ذكر الله الجمادات أولاً، ثم الشجر، ومن بعدهم الحيوان، وأخيرًا الإنسان، وليس كل الإنسان، ولكن كثيرًا منهم حق عليهم العذاب من الله.

وهذا هو ترتيب الله - سبحانه - قال - تعالى -: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾ [الحج: 18].

إذًا نحن في العوالم الساجدة ترتيبُنا الأخير؛ ولذلك ننظر بعين الإعجاب والاعتبار في قصة الشجرة التي آمنتْ برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقالت: "أشهد أنك رسول الله".

والعذراء - عليها السلام - لجأت إلى شجرة حينما أجاءها المخاض إلى جذع نخلة بوحي الله - سبحانه - وسيدنا يونس - عليه السلام - حينما لفظه الحوت بالشاطئ أوى إلى شجرة من يَقْطِين.

ولا ننس أن النبات هو القاسم المشترك مع الإنسان في هذا الهواء الذي نتنفَّسه بالإيجاب وليس بالسلب، فهو يأخذ منا ما نستغني عنه من ثاني أكسيد الكربون، ولولا النبات لما استطعنا تصريف هذا الكم الهائل من ثاني أكسيد الكربون، ويعطينا ما نحتاجه من أوكسجين، وأيضًا لولا أن سخَّر الله لنا النبات ليقوم بهذه المهمة، لتأزَّم الموقف.

إذًا النبات هو المصدر الرئيس للهواء النقي الذي نستنشقه، كما أنه - أيضًا - هو المصدر الرئيس للغذاء، وأحاديث كثيرة تتحدَّث عن صلة النخلة بالإنسان إلى الحد الذي حكى البعض أنها (عمَّتنا)، وهي أحاديث لا تصحُّ؛ بل شديدة الضعف.

وعلينا أن ننظر بعين الحذر من غضب الله في كل هذه الأمور، مع الوضع في الاعتبار قوله - تعالى -: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴾ [الواقعة: 63 - 65].

سبحانك ربنا، إنك على ما تشاء قدير، نحرث ونبذر، وكلنا ينتظر رحمتك، ما التفت منَّا أحدٌ إلى غيرك، فتزرعها لنا وكلُّنا ينتظر لطفك، لا نرجو إلا كرمك وعنايتك، حتى إذا أثمر وأينع حصدناه ولم نشكرك إلا قليل منَّا كانوا شاكرين، ولم نؤتِ حقَّه يومَ حصاده كما أمرتَنا، وقد امتثل لأوامرك الشاكرون، حتى إذا أطعمتنا منها تعلَّقنا بالرزق أكثر من تعلُّقنا بالرزاق، ومدحنا وأثنينا على حلاوة الرزق وطعمه وكثرته ونضجه، وكان الأجدر والأَوْلَى أن يكون المدح والثناء للخلاَّق.

سبحانك ربنا، ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، لك الكمال فترزقنا ونحن العاصون، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا ظالمين، عبيدك غيرنا كثيرون وليس لنا إلا أنت، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وإذا تأمَّلنا في الجسم الإنساني ومكوِّناته، من حديد وأملاح وكالسيوم وكل العناصر، وهي نفس عناصر التربة، هل كان بإمكاننا أن نضع أفواهنا في تراب الأرض ونمتص ما يلزمنا من غذاء؟

اللهم لا.

وهل توصَّل العلم إلى أسلوب لاستخراج الغذاء من التراب؟

اللهم لا.

وهل تمكَّنت ربَّات البيوت من طبخ الحجارة والطين لاستخلاص وجبة دسمة؟

اللهم لا.

وكلنا ينتظر النبات حتى يقوم بهذه المهمة، إلاَّ أننا جميعًا ننتظر الزروع لتثمر، ولو شاء الله لجعله حطامًا، ولنا في قصص القرآن مراجع، ولنا في الأمم التي سبقتْنا عِبرة، انظر قصة ذلك الرجل الذي أنعم الله عليه بثمار كثيرة، يقول - تعالى -: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا ﴾ [الكهف: 32، 33].

فقد جعل الله - سبحانه - بقدرته لهذا الرجل جنتينِ فيهما أعناب، وعلى الأطراف نخيل، ووسط كل هذا زروعٌ كثيرة، وكل هذه الأشجار والزروع أخرجت الثمار كأحسن ما يكون، ولم يكن من بين هذه الثمار شيء تالف ولا عناقيد ناقصة، كل شيء أعطي الحد الأقصى، وحتى في الري لم يتعب هذا الرجلُ في شيء؛ فقد تكفَّل الله - سبحانه - عنه ذلك، فجعل له خلال الجنتين نهرًا، والله - سبحانه وتعالى - فعَّال لما يريد، ويرزق مَن يشاء بغير حساب، إلاَّ أن هذا الرجلَ لم يكن أهلاً لهذه النعمة، فتعالى وتكبَّر على صاحبه، ودخل إلى بستانه والعجب يخالط الكبرياء والغرور، وملأ عينيه بكثرة النِّعَم، ولم يملأ قلبه بجلال المنعم: ﴿ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ﴾ [الكهف: 35].

ومن ضلاله وغبائه ظنَّ الرجل أن الله أعطاه الجنتين لأهميته هو وكرامته على الله، وتخيَّل أنه مهمٌّ عند الله، ولم يدرك أن الله يختبره: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [الأنفال: 28].

فأبدل الرجل مكان الشكر كفرًا، ومكان التواضع تكبُّرًا، وملأ الأرض غرورًا، فالتقطه الشيطان وأفرغ في داخله جرعات من الضلال، حتى كفر بالله وقال: ﴿ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴾ [الكهف: 36].

ومع أن صاحبه يحاول أن يعيده إلى الصواب، بالترغيب حينًا، وبالترهيب أحيانًا، إلاَّ أنه كان قد وصل إلى نقطة اللاعودة وكان للشيطان وليًّا، ويأبى الله أن يفتري أحدٌ من وكلائه على عياله، فإن بغى الغني على الفقير أخَذَه الله ولا يبالي، وهذا ما كان، فقد أخذه الله أخذ عزيز مقتدر ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ [الفجر: 14].

فانظر ماذا فعل الله به، وكيف يندم الرجل ويتحسَّر حيث لا ينفع الندم: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ﴾ [الكهف: 42].

وقضى الله أمرًا كان مفعولاً، فهل رأينا كيف أن سوء العلاقة بين الرجل وبستانه أدَّى إلى انقطاع الصلة بينه وبين الله - سبحانه - فكان ما كان؟

وقصة مماثلة أخرى أبطالُها ورثةُ أحد الأغنياء، لم يعجبهم نظامُ والدهم الذي كان يوزع من ثمار بستانه على الفقراء، فلمَّا مات وآلتْ إليهم البساتينُ، أرادوا ألاَّ يكون من نصيب الفقراء والمساكين شيء، فمكروا مكرًا ومكر الله مكرًا ﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 54]، ولما بيَّتوا النية على قطف ثمار جنتهم مبكرًا قبل أن يراهم أحد؛ بخلاً وجحودًا، أحاط الله بثمارهم قبل أن يصلوا إليها ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴾ [القلم: 19، 20].

ولم يشعروا بكيد الله الذي قابَل به كيدهم، ولم يتوقَّعوا أن يكونوا هم أوَّل مَن يُحرَم ثمار الجنة كما أنهم أرادوا حرمان الآخرين ﴿ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لاَ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴾ [القلم: 23، 24].

فلمَّا وجدوا أن كيدهم مردودٌ إلى نحورهم، عرفوا أن الله على كل شيء قدير ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ﴾ [القلم: 30 ، 31].

وهكذا لقَّن الله لهم ولِمَن يفكر مثلهم درسًا قاسيًا؛ حتى لا يعودوا لمثل هذه العلاقات الشائنة، وحتى يعيدوا تنظيم العلاقة المناسبة التي يرضاها ربُّ العالمين؛ لأنه بالشكر تدوم النعم وبالمعاصي تزول، وكما يقول رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إياكم والمعاصي؛ فإن العبد ليذنب الذنب فيُحرَم به رزقًا كان قد هُيِّئ له)).

والذي لا يحمد الله على ما أنعم به - حتى إذا لم يحرمه الله من تناوله - فإنه عليه نقمة:

وَيَبْتَلِي اللَّهُ بَعْضَ القَوْمِ بِالنِّعَمِ[1]

وروي أن اللقمة في يد الظالم تقول له: لا أشبعك الله، ولولا سخَّرني ربي لفررتُ منك.

فالمطلوب منَّا جميعًا أن نتذكَّر دائمًا وأبدًا أن الله - سبحانه - هو صاحب العطاء ﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾ [البقرة: 22].

وما دام الرازق والرزَّاق هو الله - سبحانه - فعلينا أن نطيع الله فيما بين أيدينا من ثمرات؛ لأنها إذا ذهبتْ فلن تعود، وسيدنا يوسف - عليه السلام - هل يفسر لأحدنا رؤياه إذ رأى سبع سنبلات خضر وأخر يابسات؟

ثالثًا: مع الحيوان:

من توابع الأمانةِ التي حملها الإنسان على عاتقه (المسؤولية)، وقد وضَّحها رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - عندما قال: ((كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤول عن رعيَّته))، فأنت أولاً مسؤولٌ عن نفسك، وستحاسَب يوم القيامة أمامَ العليم الخبير على قَدرِ هذه المسؤولية، وسيسألك الله عن عمرك فيمَ أفنيته؟ وعن شبابك فيمَ أبليته؟

ثم أنت مسؤولٌ عمن تَعولُ من زوجةٍ وأولاد، وهذا أيضًا له حساب، كذلك أنت مسؤولٌ عن المخلوقات المحيطة بك والتي سخَّرها الله لك؛ ولذلك ورد عن سيدنا عمر الفاروق - رضي الله عنه - أنه قال: "لو تعثَّرت بغلةٌ في الطريق، لخشيتُ أن يُحاسِب اللهُ عليها عمرَ: لماذا لم تسوِّ لها الطريق؟".

وعلى قَدرِ سمو إنسانيَّة الإنسان يكون اهتمامه بالعلاقات مع ما حوله، وكلما ارتقتْ أخلاقيات الإنسان، ارتقى في أسلوب التعامل مع الآخرين، وجمعيات الرِّفق بالحيوان التي نسمع عنها في بلاد الأعاجم، كنا نحن أولى بها، نعم هم يهتمُّون بالحيوان في نفس الوقت الذي يُهدرون فيه حقَّ الإنسان، وهذا دِينُهم والعيبُ فينا، عمومًا، نحن بدِيننا وقرآننا كنَّا أولى برعاية حقوق الخلائق التابعة والرِّفق بها، أو على الأقلِّ جدير بنا أن نحذوَ حذوهم؛ حتى تبطلَ مقولة أن الغربَ فيه إسلامٌ بلا مسلمين، وأنَّ بلادنا فيها مسلمون بلا إسلام، نريد أن نصحِّحَ المعادلة؛ لتكون بلادنا بلاد إسلام ومسلمين، ولا شأن لنا بالمنبَهِرين بغيرنا إلاَّ في حدود.

والعلاقة التي أرادها الله - سبحانه وتعالى - للناس مع الحيوان نظمها الله بشكلٍ، وتناولها الناس بشكلٍ آخر، نعم تجاهلها البعض نهائيًّا لدرجة أنهم سخَّروها واستعملوها فيما لم تخلق له، وبالذات في بلاد الغرب التي يزعمون أنَّ فيها إسلامًا بلا مسلمين، كمصارعة الثيران، من أناسٍ نزعَ الله من قلوبهم الرحمة، والغريب أن ذلك يتمُّ وسط هتافات الإعجاب من الآلاف المحتشدة لرؤية دماء تسيلُ من ظهر حيوانٍ بريء، ليس له ذنبٌ إلاَّ أنَّ الله سخَّره للإنسان، وكنت أتمنى من قيادات المسلمين أن يعملوا على وَقْفِ هذه المهازل، أو على الأقل إعلام من يهمُّه الأمر أن هذا العبثَ مخالف للشرائع السماوية.

وكذلك في السيرك، وإن كان الأمرُ أخفَّ كثيرًا من مصارعة الثيران، إلا أنَّ فيه استهزاءً وإذلالاً للحيوان الذي يرميه سوءُ حظه مع لاعب السيرك.

هذا عن البعض الذي تجاهل نظامَ الله في العلاقة بينه وبين الحيوانات، وهناك صنفٌ آخر من الناس تعلَّقوا بالحيوان لدرجة الإجلال، مثل بعض القبائل التي تعبدُ من الحيوانات كلَّ ما يُرجى نفعها أو يُخشى ضررها، كعَبَدَة الأبقار والأغنام، أو العقارب والحيَّات، وهذا وذاك في ضلالٍ بعيدٍ، ولله في خلقه شؤون، والمطلوب علاقة متوازِنة بدون تفريط أو إفراط، علاقة وسط؛ لأن الفرقَ بينك أنت - أيها الإنسان - وبين الحيوان هو التكليف الإلهي، والتكريم الإلهي أيضًا، وكلاهما من عند الله - سبحانه وتعالى - بقدرته وحكمته، فإن انسلختَ من أيٍّ منهما، أصبحتَ لا تساوي حيوانًا ولا شيئًا إطلاقًا، وبدون تكليف وتكريم يتساوى الإنسان والحيوان في شكل التَّواجد والتَّكاثر؛ فكلاهما يحيا حياةَ النَّماء وحياة الحركة، وهذا هو معنى (الحيوان)، وكلُّ المخلوقات التي تعيش معنا على الأرض أو داخل البحار من حيواناتٍ، وطيورٍ، وحشراتٍ، تشترك معنا في صفة الحيوان بمعناه اللفظي، إلاَّ أنَّ النبات له حياة نماء فقط، على هذا الأساس ننظر إلى الحيوانات التي تشاركنا الحياة، وهي مُسخَّرة لنا، ومخلوقة لنفعنا.

وقد بدأت علاقةُ الحيوان بالإنسان في أول مِحنةٍ قابلت الإنسانَ على وجه الأرض، حينما قام أحدُ ابنَي آدمَ بقَتْل أخيه، عندها كان الدرس الأول للإنسان من غُرابٍ بعثه الله - سبحانه وتعالى - ليعلِّمَ ابن آدم ومن بعده البشرَ كيف نواري سوءاتنا حين الوفاة، وقد شعر ابن آدم بعجزه حينئذٍ، وتبًّا للأمم التي تقومُ بإحراق الجثثِ، أو اتِّباع أيِّ وسيلةٍ أخرى في مواراة الموتى، فالدفنُ في التراب هو الأصل، إلا في الضرورات التي تبيح المحظورات، والدفن هو الصحيح، وهو السُّنة المؤكَّدة للبشر عمومًا ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾ [طه: 55].

واستمرَّت هذه العلاقة بين الحيوان والإنسان - ولا تنسَ أنَّ الطيور حيوانات - مع الأيام.

ففي قصة سيدنا نوح - عليه السلام - عندما كذَّبه قومه، وقالوا عنه: مجنون وازدُجِر، أمره الله -سبحانه - أن يصنعَ سفينةً، وأوحى إليه أن يأخذ معه في السفينة من الحيوانات الموجودة معه على الأرض ﴿ مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ [هود: 40]، هذا أولاً ثم ﴿ وَأهْلَكَ ﴾، وهذا الترتيب في كلمات الآية ترتيبٌ إلهي مقصود، ومؤكد أن له معنًى ومغزًى، وبعد ذلك عندما أراد سيدنا نوح - عليه السلام - التأكُّد من جفاف الأرض بعد الطوفان قبل أن يفتح السفينة ويخرج منها، أرسل حمامةً، فعادت بغصنِ زيتون في منقارها كدليل على استقرار الأحوال على الأرض، وعودة الأمور إلى طبيعتها، وأصبح الحمام وغصنُ الزيتون بذلك رمزًا للسلام.

وفي قصة سيدنا صالح - عليه السلام - عندما كذَّبته ثمود، واستنفد كلَّ الطُّرق لهداية قومه، فطلَب من الله آيةً لعلَّ قومه يهتدون، فأرسل الله إليهم ناقةً؛ لتكونَ هذه الناقة آيةًَ وفِتْنةً.

وفي قصة سيدنا موسى - عليه السلام - حين أرسله الله إلى فرعون الذي يقول للناس: أنا ربُّكم الأعلى، أعطاه الله آيتين:

الآية الأولى: عصا في يده تتحوَّل إلى ثُعبان عند اللزوم.

والآية الثانية: يده نفسها، وكانت هذه الحَيَّة، التي في أصلها هي عصا موسى، كانت الورقة الرابحة عندما اجتمع الناس يوم الزِّينة، قال - تعالى -: ﴿ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ﴾ [طه: 69].

وفي رحلة سيدنا سليمان - عليه السلام - في وادي النمل، كان سيدنا سليمان بجيشه المكوَّن من جنود الجن والإنس والطير، وفي هذا الحشد العظيم، وهذا الموكب الذي يجمع من كلِّ الإمكانيات أصحابَها، كان الخبر اليقين عن قومِ بلقيس من الهدهد الذي وجد ﴿ امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ وَأوتِيتْ مِن كُلِّ شَيءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ [النمل: 23]، ذلك الهدهد استنكرَ سجودَ الملكة وقومها للشمس من دون الله، وساءه ذلك الفعلُ القبيح من بعض الناس، ثم أصبح الهدهد رسولَ سيدنا سليمان إلى بلقيس بالكتاب، كلُّ هذا في حضور الجن والإنس وباقي الجنود.

وفي قصة أصحاب الفيل نجد أن الله - سبحانه وتعالى - أرسل طيرًا أبابيل؛ لحماية الكعبة الشريفة من أَبْرهة الأشرم وجنوده، وكان ذلك في العام الذي وُلِدَ فيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وتواكُب الحدثين له دلالة، ثم في هجرة الرسول عندما أوى الرسول وصاحبه إلى غار ثور، كلَّف الله - سبحانه - أضعفَ مخلوقاته لصدِّ كُفَّار قريش الذين كانوا يزعمون أنهم أقوى الأقوياء، عنكبوت وحمامة قاما بحماية الغار، مع أنه - سبحانه - عنده من الجنود المجنَّدة ما لا حصرَ له.

ونجد أنَّ رحلة البشرية سارتْ بين الهدى والضلال، فإمَّا أن يهتدي الناس ويتساموا في أخلاقهم، وإمَّا أن يخلدوا إلى الأرض ويصبحوا كالأنعام؛ بل أضل، أو يُعرضوا عن الهدى بجهلهم مثل الحمير المذعورة أمام وحشٍ ضارٍ، كما يقول - تعالى - مشبِّهًا حالهم: ﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴾ [المدثر: 50، 51]، وضرب الله أمثلةً كثيرةً عن الكفار والمشركين بالعنكبوت، أو الكلب الذي يلهثُ في كلِّ أحواله.

وكلُّ هذه الأمور تجعل الحيوان دائمًا في بؤرة الشعور - لا هامش الشعور - لدى الإنسان، ومن الآيات التي أمرَنا الله - سبحانه وتعالى - أن ننظرَ إليها بعين الاعتبار آيةُ (الإبل) في هيئتها وتكوينها العجيب وجوهرها، يقول - تعالى -: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ [الغاشية: 17].

وسور القرآن الكريم نجد أنَّ بعضها عُرفت بأسماء حيوانات، مثل: سورة البقرة، وسورة الأنعام، وسورة النحل، والعنكبوت، والنمل، والفيل.

ورُوي أنَّ كلَّ الحيوانات ستبعثُ يوم القيامة للقصاص، فتأتي العصفورة وتقول للملك الدَّيان: يا ربِّ، سَلْ عبدك فلانًا، لماذا قتلني من غير منفعة؟ وتأتي البقرة لتدافع عن نفسها من أولئك الذين اتخذوها للعبادة، وتقول: يا رب، سَلْ عبدك فلانًا، لماذا استخدمني في غير ما خُلقتُ له؟

وجاء في الحديث أنَّ امرأةً دخلت النار بسبب قِطَّة حبستْها، لا هي أطعمتْها، ولا هي تركتْها تأكل من خَشاش الأرض، وفي المقابل رجل دخل الجنة؛ لأنه رأى كلبًا يأكل الثَّرى من العطش في يومٍ قائظٍ، فنزل إلى بئر وحمل الماء بخفِّه؛ ليروي ظمأ الكلب، فشرب الكلب وارتوى.

ونعود مرَّةً ثانيةً وثالثةً وعاشرةً إلى مُحْكَم التنزيل؛ حتى لا نكون في غفلةٍ؛ حتى يكشفَ الله لنا الغِطاءَ يوم ترجف الراجفة، وأذكِّركم وأذكِّر نفسي بقوله - تعالى -: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء: 44]، ونقف طويلاً عند قوله - تعالى -: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ كلما رأينا النمل والنحل وهي أممٌ أمثالنا، وكلما رأينا مخلوقات الله في أرضه، وإذا الْتفتنا إلى السماء نجدُ الأفلاك ساجدةً لله، ويُسبِّح الرعد بحمده، والله - سبحانه وتعالى - عليمٌ، وعلومنا لا تُدركُ كيفية التسبيح التي في الآية، وهو غفور، وألسنتنا أقل تسبيحًا من مُسبِّحات السموات والأرض ومَن فيهن، وقد سمح لنا أن نلتهمَ الثمار وكلُّها تُسبِّح بحمد ربِّها، فنسكت مسبِّحين ولا نحمد، غفور وقد ذلَّل لنا الحيوانات، نركب بعضها، ونأكل لحومَ بعضها، ونسخِّر بعضها لخدمتنا، وكلُّها مُسبِّحات بحمد ربِّها، ونحن نأكل ولا نحمد، ونَسُبُّ الحيوانات ولا نخجل، ونعتلي فوق ظهر الدابة ولا نتذكَّر المعزَّ المذلَّ، وكم منا يقول ساعتها: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾ [الزخرف: 13، 14]؟

وكم منَّا يتذكَّر الله - سبحانه - كلما ذاق ثمرةً، أو أكل لحمًا، أو شرب مما في بطون الأنعام؟ وقد أوجد الله في كلِّ شيءٍ آيةً تدلُّ على أنه الواحد، هل كان كلُّ لحظات صمتنا فِكرًا، وكلُّ لمحات نظرنا عِبَرًا، وكلُّ كلمات نُطقنا ذِكرًا، أم أننا حقيقةً لا نذكر الله إلا قليلاً؟ ولا داعي لتَعَجُّب العارف بالله الذي قال:

عَجِبْتُ لِمَنْ يَقُولُ ذَكَرْتُ رَبِّي وَهَلْ أَنْسَى فَأَذْكُرُ مَا نَسِيْتُ

وإذا كان لنا أن نتعجَّبَ من شيءٍ، فليس الآن؛ ولكن في النهاية، قال الإمام الحسن البصري - رضي الله عنه -: "ليس العجب فيمن هلك كيف هلك؟ ولكن العجب فيمن نجا كيف نجا؟!"

فكلُّ الشواهد تؤكِّد أنَّ أصحاب الشمال قليلٌ من الأوَّلين وكثيرٌ من الآخرين، وإن لم يأتِ ذلك صراحةً فبالاستنباط، ويا لفرحة إبليس اللعين وهو القائل: ﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ [الأعراف: 17].

نعم أيها اللعين، قد صدقتَ ظنَّك في كثيرٍ منَّا، ولكن سترى أنت ومَن اتَّبعك لمن عُقْبى الدار، وشاركتَ بعضنا في الأموال والأولاد ووعدتهم، ونعلم من الآن أنك ستخلف وعدك، وستقف على عَرَصات جهنمَ تقول لمن اتبعك من الغاوين: ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي، وقد خاب من اتَّبعك، وضلَّ من صدَّقك، وختمَ الله على سمعهم وبصرهم.

﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ * وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ [السجدة: 12، 13].

وآيات الله كثيرة، ونعمه علينا أكثر، ولكنَّ أكثر الناس لا يعقلون؛ انظر إلى البعوضة، وهي حشرة صغيرة إذا أطْبقتَ عليها بأصبعك أفنيتها، ومع ذلك فهي كفيلة بأن تجعلك تُغلق المنافذ في حُجْرتك في شهور الصيف، وتملأ حجرتك بغازات سامَّة تضرُّك على المدى البعيد، والبعوضة ليس لها طعامٌ إلاَّ دمُك، مهما تركتَ لها من أشهى الأطعمة، فإنها لا بدَّ أن تُقلقك بلسعاتها، وقد تنقلُ إليك مرضًا فتَّاكًا فتهلك، ولن تستطيع أن تستأنسها مهما فعلتَ، كلُّ هذا مع أنها في حجم ضئيل.

كذلك البرغوث كفيلٌ بأن يجعلك تخلع كلَّ ملابسك في شهور الشتاء؛ بحثًا عنه مطاردًا إياه، وهو لا يريد منك شيئًا إلا أن يمتصَّ دمَك الذي بذلت الغالي لتكوينه، وهو أيضًا ليس مسخَّرًا لك؛ لأن الخالق شاء ألا يسخِّره وأمثاله.

وفي المقابل الجِمال والأبقار، ولا يَخفى عليك أحجامها ولا قوَّتها، ومع ذلك فهي مذلَّلة لك؛ لأن الله الخالق - سبحانه - سخَّرها بأمره، فلنا من المخلوقات ما سخَّرها الخالق، وهو يقول: ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ [النحل: 5].

لك الحمد يا ربَّنا، لا نَحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك.

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 8].

سبحانك يا ربَّنا، فضَّلتنا على كثيرٍ ممن خلقتَ، وذلَّلتَ لنا أعناقَ ما سخَّرت، وحارت عقولُنا في إدراك ما بيَّنت، وفشِلنا في تسخير ما أطلقت كما ذكرت: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [النحل: 9].

إذًا؛ علينا أن نتعاملَ مع ما سخَّره الله لنا بشكر الله وحمده، ونسعى للاستفادة بما لم يسخِّره الله بعون الله ولطفه، ومَن لم يفعل ذلك فلا شُكران لسعيه.

وعلينا أن نتعلَّم من كلِّ شيءٍ حولنا دون كبرياء، لماذا لا نتعلَّم الوفاء من الكلاب، ونتعلَّم الصمود أمام العقبات من التيس؟ كما قال الشاعر الذي كان يمدح أحد الأمراء:

أَنْتَ كَالْكَلْبِ فِي حِفَاظِكَ لِلْوُدْ دِ وَكَالتَّيْسِ فِي قِرَاعِ الْخُطُوبِ

ولماذا لا نتعلَّم الصبر من الجَمل؟ فإذا كان الجميل والجمال (على الحسن) مُشتقَّة من الجَمَل من الناحية اللفظية، فهو أحقُّ أن يكون مُشتقًّا منه صفاته وجوهره، فلا يطلق لفظ الجميل إلا إذا كان الشيء فيه نسبة جمالية في الجوهر.

وعلينا أن نتعلَّم من الهدهد الشجاعة الأدبية، حين كان الهُدهد في جيش سيدنا سليمان وغاب عنه قليلاً، وعاد إليه يشرحُ سببَ غيابه في شجاعةٍ وهو يتكلم مع نبيٍّ ملك، ويستنكر أفعالَ ملكةٍ؛ لأنها تعبد الشمس من دون الله، وهو طائرٌ صغير ﴿ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِيْنٍ ﴾ [النمل: 22].

ولفتة عظيمة من سيدنا سليمان - عليه السلام - لم يتجاهل الأمرَ لوضاعة صاحب الكلمة، ولم يتَّخذ قرارًا قبلَ أن يتأكَّد ويتيقَّن ﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِين ﴾ [النمل: 27].

وعلينا أن نتعلَّم من النمل الإخلاص والصدق، وكيف أنَّ نملةً تبتعد بأهلها عن الهلاك، وتنصحهم بسُبُل النَّجاة، حينما سار جيشُ سيدنا سليمان - عليه السلام - وجاء إلى واديهم ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [النمل: 18].

ولفتة عظيمة أخرى جديرة بالوقوف عندها بالفكر طويلاً طويلاً، لم يترك سيدنا سليمان هذه الفرصة تمرُّ - وقد آتاه الله المُلك، وعلَّمه مَنْطقَ الطير - إلاَّ وقد أدَّى بعضَ ما عليه من الشكر: ﴿ وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ [النمل: 19].

وعلينا أن نتعلَّم من النحل النظام والنظافة والتفاني في خدمة المجتمع (الخلية)، وعلينا أن نتعلمَ من الطير التوكُّل على الله في الرزق، ومن يتوكَّل على الله حقَّ التوكُّل، يرزقه الله كما يرزق الطير، تغدو خِماصًا، وتعود بطانًا.

ونتعلم من الطير أيضًا التوكُّل على الله في السَّعي، فهي تطير في جوِّ السماء بأجنحتها، فإذا تَعِبت الأجنحة، ضمَّتها إليها ولا تَخشى السقوط على الأرض، فهي واثقةٌ أنَّ القوي القادر سيحملُها في الجوِّ إلى أن تستريحَ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾ [الملك: 19].

علينا أن نتعلم ولا نترك يومًا يمرُّ إلا وقد استزدنا عِلمًا بعون الله وإذنه، فإن اليوم الذي يمرُّ يقول لك: يا ابن آدم، اغتنمني قبل أن أمضي؛ فإني لن أعود إليك أبدًا إلى يوم القيامة.

اللهم قد بلَّغت، اللهم فاشهد.

  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon

©2017 BY ANFAS-ALROUH. PROUDLY CREATED WITH WIX.COM