• Admin

لنبدأ الحياة


هذه قصة لكم احبتي لنبدأ الحياة .. فتح إبراهيم عينيه في تثاقل ، وتثاءب في فتور ، ثم استوى في فراشه قاعدا ، وكأنما لـمع في ذهنه خاطر فُجائي . وألقى نظرة سريعة على ساعته فوجدها تشير إلى التاسعة ، التاسعة ! لقد تأخرت كثيرا هذا الصباح ، ماذا سيقول عني الموظفون في مكتبي وقد تعودوا أن يضبطوا ساعاتهم على موعد حضوري في تمام الساعة السابعة والنصف ! لا يهم ، يوم واحد أتأخر فيه منذ خمسة وعشرين عاما ، لا يهم خمسة وعشرون عاما ؟ يا لها من مدة طويلة ، ربع قرن من الزمان ! كيف مرت كل هذه السنين وأنا لا أكاد أحسها ؟ كيف لم أحسها ؟ وأراح إبراهيم رأسه على كفه وسرح ببصره بعيدا : لقد كافحت طويلا ومشيت فوق الشوك وعلى الصخور أتعثر وأمشي ، أقفز وأتسلق حتى صرت ما أنا عليه: إبراهيم صاحب شركة الاستيراد والتصدير ، يعمل تحت إمرتي عشرات الموظفين كلهم ذوو شهادات عالية ، أنا لا أوظف عندي إلا ذوي الشهادات العالية ، مع أنني لم أحصل حتى على الابتدائية ، ليس مهما حصولك على الشهادة لكي تنفذ في الحياة ، المهم أن تكون لديك العزيمة القوية والرغبة في أن تكون شيئا ، لقد كنت كذلك ، قطع والدي رحلة حياته فجأة وأنا في الخامسة من عمري وتركتني أمي بعد شهور في بيت جدتي وذهبت لتجرب حظها مرة أخرى في زواج جديد، تألمت كثيرا لذلك ، لم أكن أتصور أن يحل رجل آخر محل أبي ، وكنت أتمنى أن تعتمد أمي علي أنا ، أنا رجلها الصغير ، ولكنها سخرت مني ، وأردت أن أثبت لها أني أستطيع أن أكون شيئا فاندفعت للعمل على كل شيء ولا أستنكف من شيء ما دام يضمن لي مالا، وتعلمت ، تعلمت الكثير في مدرسة الحياة ، هكذا يسمونها ، لا بد أن أصحاب التسمية مثلي ممن لم ينالوا شهادة قط، ولم يدخلوا مدرسة ، وكنت أدخر معظم ما كان يتجمع في يدي من مال ، ولا أنفِق إلا أقل القليل ، ولكنه كان كافيا بالنسبة لمطالبي المتواضعة ، ومطالب جدتي التي كانت دون مطالبي بكثير . وتنقلت من بلد إلى بلد بعد وفاة جدتي ، وأحسست أني أريد الهروب من الماضي بكل ما فيه من أسباب تشدني إلى القاع ، وتشعرني بالخجل ! يتمي وفقري وجهلي . الحياة فسيحة أمامي ، والمال يتدفق بين يدي . كل شيء أصبح ميسورا لي وفي متناولي ، ولكني لم أكن سعيدا ، كنت دائم الحزن في أعماقي ، وكان العمل سلوتي الوحيدة أغرق فيه همومي ، كان لذتي ويومي وغدي ، لم أسترح يوما ، حتى يوم الجمعة كنت أذهب فيه وحدي لأغرق في العمل ؛ فما بالي اليوم ؟ أتراني مريضا ؟! ونهض إبراهيم من فراشه واتجه إلى المرآة في ركن الغرفة الفسيحة الفاخرة الأثاث ، وتطلع إلى وجهه طويلا :لا ، لا ، لست مريضا ، في وجهي شيء من الاصفرار والذبول ، لا بأس لعله إرهاق العمل ، ولكن ما بال هذه التجاعيد التي بدأت ترسم على صفحة وجهي ؟ إنني لم أرها من قبل ذلك . ويْحِي ، لقد تغيرت كثيرا ! لم أشاهد نفسي في المرآة منذ وقت بعيد ، لا وقت عندي للتطلع في المرآة ، هذا عمل النساء ، النساء نعم ، ولم أفكر في الزواج قط ، كنت أخاف أن أموت صغيرا كوالدي وتذهب زوجتي إلى رجل آخر ، ويقاسي أولادي ما قاسيت . عجبا ! ما هذا البياض الذي بدأ يخالط شعري ؟ إنني لم أكبر حتى أشيب . إنني لم أتجاوز ... لم أتجاوز ماذا ؟ ما تاريخ اليوم ؟ العاشر من فبراير! عجيب إنه يوم ولادتي ، لقد نسيت ذلك تماما ، كم يبلغ عمري اليوم ؟عشرون ، ثلاثون ، أربعون ، خمسون، نعم بالضبط ، هذا هو عامي الخمسون في الحياة ! خمسون ؟ نصف قرن ؟! وأظن أني لم أكبر وأن الشيب أسرع إلي ؟ما أشد غفلتي ! أعمل وأعمل وأعمل .. وأجمع المال والمال ، ثم ماذا ؟ ما الهدف بعد ذلك ؟ عندي كل شيء وليس عندي شيء . عندي الكثير ولا أرى منه إلا القليل . لقد ظلمت نفسي وظلمت أمي ، ماذا فعلت أمي غير أنها ما رست حقها في الحياة وأنا طول الوقت أعيش بمخاوفي الصبيانية ؟! ليتني تزوجت ! ليتني أنجبت ! لو أنني مارست حقي في الحياة لكان أولادي الآن قد تخرجوا ، أو هم على الأقل في الجامعة ، الجامعة الحقيقية وليست جامعة الحياة ! ليتني ، ليتني ،وهل تنفع ليت ؟ ولماذا لا تنفع ؟ وسمع إبراهيم طرقا على الباب ، فصاح قائلا : ادخل . وفتح الباب ، وظهر خادمه العجوز إسماعيل وعلى وجهه علامات الدهشة والاستغراب: سيدي ، لقد قلقت عليك ، تأخرت كثيرا في النوم على غير عادتك ، لقد أعددت طعام الإفطار منذ الصباح الباكر ، واتصل موظفو الشركة عن طريق الهاتف عدة مرات للاطمئنان عليك . قال إبراهيم في هدوء : - قل لهم لا عمل اليوم ، اليوم عطلة ! - ورد إسماعيل وقد اتسعت دهشته : عطلة ؟ أي عطلة يا سيدي ؟ - قال إبراهيم وهو يبتسم : أعطيت نفسي هذه العطلة ، أليس ذلك من حقي يا إسماعيل ؟ - نعم ، نعم يا سيدي ، ولا شك في ذلك ، ولكن ...ووضع إبراهيم يده على كتف خادمه وهو يقول : - ولكن ماذا أيها العجوز ؟ أسرع إلي بالطعام ، فاليوم ، اليوم تبدأ الحياة ! فماذا برأيكم حصل بعد R؟!// أتى خادمه بالفطور مسرعا ، فرحا ، متعجبا !!.. ما الذي غير حاله هكذا وكأنه شخص آخر .. جلس ابراهيم بعد حمام ساخن معطر نفسه مفتوحة شهيته .. يأكل وكأنه أول مرة يأكل فيها .. يتلذذ بالطعام وبالشاي الساخن وفي الجبنة البيضاء والبيض الطازج والخبز الطيب .. في عالم آخر ينظر للحياة بنظرة أخرى .. بعد انتهائه جلس على التلفاز .. يسمع الأخبار ، ياااه كل هذا حصل ماهذا الدمار .. كيف لا علم لي بهذا .. حزن من نفسه وعلى تقصيره في متابعه احداث أوطانه .. وبعد وقت عدى عليه بطيء .. يتنفس انفاس الحياة التي فقدها وقرر أن يعيدها مرة أخرى لحياته.. خرج من البيت بملابس عادية مشيا على الاقدام ، ليتنفس هواء الطبيعة ويسمع أوراق الشجر .. ليعطي كل شي حقه فقد قصر في نفسه كثيرا 25 عاما رجلا بلا روح ولا قلب ولا نفس لا يرى لا يسمع لا يتكلم .. كان ميتا حرفيا .. ولكن الوقت كان سيفا قص ظهره .. فلا مجال لأن يعوود .. بل الفرصة بأن يكمل حيا حتى يموت .. وفي طريقه رأى مسجدا.. وسأل نفسه متى صليت صلاة ؟!. ومتى صليتها في المسجد ؟؟! ياااه يا ويلي من ربي كيف عصيته ونسيته ولم ينساني وهداني اليه .. فهرع الى صلاة الظهر .. توضأ وبين المصلين وقف وكبر وصلاة صلاته الأولى من بعد سنين.. وشعر بأن فرحته لا تسع الكون ولا الأكوان.. خرج المصلين وبقي هو في المسجد أمام القرآن الكريم.. فنام وغفلت عيناه .. وذهب بحياته الى عمر الثلاثين.. رأى نفسه شابا وسيما وعاش في غفوته التي لا تعدي ال 5 دقائق 25 سنه حتى ذالك الحين ... رأى كيف ظلم وخسر ونجح وكسب وحزن وبكى وتألم وهجر وفسق وشتم وحقد وكذب وفقد مل شيء.. ياه شريط حياتي رأيته أمامي ..بل عشته من ثاني .. ماذا يريد ان يوصل الله لي ..؟؟! هناك رسالة لي والله لاشعر بالإنجذاب للمصحف الكريم .. فأخذ القرآن بين يديه وفتحه خائفا وفي عقله يسأل الله ما هي رسالتك لي يا الله نورني وساعدني.. ففتح المصحف بشكل عشوائي.. وظهرت له هذه الآيات :: (( بِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا )) فهنا .. أحبتي نزلت عليه معجزة الرحمان .. وأصبح هاديا ومبشرا للناس بالحق مستقيما زين حياته بحب الله الحنان.. غير منهاج شركته أصبحت من أعظم الشركات ولكن بطريقة صحيحة.. ووضع مديرا عليها حفيظا .. واكمل هو حياته بين المساجد وبين المحتاجين يساعد ويمد يده الكريمة .. وعاش طويلا ..تزوج بزوجة بعمره أو أصغر منه بقليلا ..لم ينجبوا الأولاد لكبر عمرهم ولكن جمعهم الله تحت سقف واحد ليكملوا حياتهم بحب وراحة وسكينة .. وهكذا عرف معنى كيف لك (( أن تبدأ بالحياة ..))//

  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon

©2017 BY ANFAS-ALROUH. PROUDLY CREATED WITH WIX.COM