• Admin

هل الروح مخلوقة؟


ذهب فريق من الفلاسفة إلى أن الروح غير مخلوقة، بل هي قديمة أزليَّة. وذهب صِنف آخر من زنادقة هذه الأمة وضُلَّالها من المتكلمة والمتصوِّفة إلى أن الروح من ذات الله، وهؤلاء أشرُّ قولاً من الصنف الأول؛ حيث جعلوا الآدمي نصفين: نصف لاهوت: وهو روحه، ونصف ناسوت: وهو جسده، فنصفه رب ونصفه عبد"؛ (مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 4/222). وذهب أهل العلم من السلف والخلف إلى أن الروح مخلوقة مبتدعة، وهذا هو الحق الذي لا ينبغي أن يُخالف فيه، ويدل على ذلك أمور، منها: أولاً: الكتاب والسُّنة: أ- قال تعالى:" اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" [الرعد: 16]، [الزمر: 62]. يقول شارح الطحاوية عقب استدلاله بهذه الآية: "فهذا عام لا تخصيص فيه بوجه عام". ب- وقال تعالى: " هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا " [الإنسان: 1]. ج- وقال تعالى لزكريا عليه السلام: " وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا " [مريم: 9]. والإنسان مركب من روح وبدن، وخطاب الله لزكريَّا لروحه وبدنه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - كما في "مجموع الفتاوى" (4/222): الإنسان عبارة عن البدن والروح معًا، بل هو بالروح أخص منه بالبدن، وإنما البدن مَطيَّة للروح، كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه: "إنما بدني مطيتي، فإن رَفقتُ بها بلَّغتني، وإن لم أرفق بها لم تبلغْني". وقد روى ابن مَنده وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلق حتى تختصم الروح والبدن، فتقول الروح للبدن: أنت عملت السيئات، فيقول البدن للروح: أنتِ أمرتني، فيبعث الله ملَكًا يقضي بينهما فيقول: إنما مثلكما كمثل مُقْعَد وأعمى دخلاَ بستانًا، فرأى المُقعَد فيه ثمرًا معلقًا، فقال للأعمى: إني أرى ثمرًا ولكن لا أستطيع النهوض إليه، وقال الأعمى: لكني أستطيع النهوض إليه، ولكني لا أراه، فقال المقعد: تعال فاحملني حتى أقطفه، فحمله وجعل يأمره فيسير به إلى حيث يشاء فقطع الثمرة، قال المَلَكُ: فعلى أيهما العُقوبة؟ قالا: عليهما جميعًا، قال: فكذلك أنتما". د- ومما يدل على أن الروح مخلوقة: أن الأرواح تُقبض وتُوضع في كفن وحَنوط تأتي بهما الملائكة، ويُصعد بها وتُنعَّم وتُعذَّب، وتُمسك في النوم وتُرسل، وكل هذا شأن المخلوق المحدث. هـ - لو لم تكن مخلوقة مربوبة لما أقرت بالربوبيَّة، وقد قال الله للأرواح حين أخذ الميثاق على العباد، وهم في عالم الذَّرِّ: ? أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ?، وذلك ما قرره الحق في قوله: ? وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ? [الأعراف: 172]. وما دام هو ربهم فإنهم مربوبون مخلوقون. و- لو لم تكن الأرواح مخلوقة، فإن النصارى لا لوم عليهم في عبادتهم عيسى عليه السلام، ولا في قولهم: "إنه ابن الله" أو "هو الله". ز- لو كانت الروح غير مخلوقة، فإنها لا تدخل النار ولا تُعذَّب، ولا تُحجب عن الله، ولا تُغيَّب في البدن، ولا يملكها ملكُ الموت، ولما كانت صورة توصف، ولم تحاسب ولم تُعذَّب، ولم تتعبد ولم تخَف، ولم تَرْجُ، ولأن أرواح المؤمنين تتلألأ، وأرواح الكفار سود مثل الفحم"؛ (انظر القيامة الصغرى لعمر سليمان الأشقر). ثانيًا: الإجماع: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "روح الآدمي مُبدَعَة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السُّنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غيرُ واحد من أئمة المسلمين، مثل محمَّد بن نصر المروزي (الإمام المشهور الذي هو أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف، أو من أعلمهم)، وكذلك أبو إسحاق بن شاقلَّا، وأبو محمد بن قتيبة، وكذلك أبو عبدالله بن منده في كتابه "الروح والنفس"، والشيخ أبو يعقوب الخراز، وأبو يعقوب النَّهرجوري، والقاضي أبو يعلى وغيرهم؛ (مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 4/216). •شبهات الذين زعموا أن الروح غير مخلوقة والرد عليهم: الشبهة الأولى: قالوا: مما يدل على أن الروح غير مخلوقة، قوله تعالى: ? وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ? [الإسراء: 85]. والجواب على هذه الشبهة من وجوه: الأول: أن الروح هنا ليست روح الآدمي، وإنما هو اسم ملك، كما قال تعالى: ? يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ? [النبأ: 38]، وقال: ? تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ? [المعارج: 4]، وقال: ? تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم ? [القدر: 4] وهو قول معروف مشهور عند علماء السلف في تفسير هذه الآية. الثاني: وإذا قلنا: إن المراد بالروح هنا روح الآدمي - كما هو قول جمع من علماء السلف في الآية - فليس فيها ما يدل على أن الروح غير مخلوقة، وأنها جزء من ذات الله، كما يقال: هذه الخِرقة من هذا الثوب، بل المراد أنها تُنسب إلى الله، لأنها بأمره تكونت، أو لأنها بكلمته كانت، والأمر في القرآن يذكر ويراد به المصدر تارة، ويراد به المفعول تارة أخرى، وهو المأمور به، كقوله تعالى: " أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ " [النحل: 1]؛ أي المأمور به، ويمكن أن يقال أيضًا: إن لفظة " مِنْ " في قوله:" مِنْ أَمْرِ رَبِّي" [الإسراء: 85]؛ لابتداء الغاية، ومعلوم أن "مِنْ" تأتى لبيان الجنس، كقولهم: "باب من حديد"، وتأتى لابتداء الغاية، كقولهم: "خرجت من مكة". فقوله: " مِنْ أَمْرِ رَبِّي " ليس نصًّا في أن الروح بعض الأمر أو من جنسه، بل هي لابتداء الغاية؛ إذ كونت بالأمر، وصدرت عنه، وهذا معنى جواب الإمام أحمد - رحمه الله - في قوله: " وَرُوحٌ مِنْهُ " [النساء: 171] حيث قال: " وَرُوحٌ مِنْهُ " يقول: من أمره كان الروح، كقوله تعالى: " وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ " [الجاثية: 13]، ونظير هذا أيضًا قوله تعالى: " وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ " [النحل: 53]. فإذا كانت المسخرات والنعم من الله، ولم تكن بعض ذاته، بل منه صدرت، لم يجب أن تكون معنى قوله في المسيح: " وَرُوحٌ مِنْهُ " [النساء: 171] أنها بعض ذاته؛ (راجع مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 4/226-235). الشبهة الثانية: قوله تعالى في آدم عليه السلام: " وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ " [الحجر: 29]، وقوله في مريم عليها السلام: " فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا " [الأنبياء: 91]. فقالوا: فقد أضاف الله الروح إلى نفسه. والجواب عن هذا كما قال شارح الطحاوية رحمه الله: "ينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله تعالى نوعان: الأول: صفات لا تقوم بأنفسها، كالعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر، فهذه إضافة صفة إلى الموصوف بها، فعلمه وكلامه وقدرته وحياته صفات له، وكذا وجهه ويده سبحانه. الثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه، كالبيت والناقة والعبد والرسول والروح، كقوله: " نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا " [الشمس: 13]، وقوله: " تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا " [الفرقان: 1]، وقوله: " وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ " [الحج: 26]، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، لكن إضافة تقتضى تخصيصًا وتشريفًا، يتميَّز بها المضاف إلى غيره"؛ (شرح الطحاوية: ص 442).

  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon

©2017 BY ANFAS-ALROUH. PROUDLY CREATED WITH WIX.COM